
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
محاضرة ألقاها سماحة العلامة الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني قدس الله نفسه الزكية في مشهد في الثالث من شوال سنة ألف و أربعمائة وإحدى عشرة هجرية، وهي تشتمل على حقيقة المراقبة وأهميتها للسالك، وضرورة تطبيقها على نفسه بترك الكلام ومخالطة الناس، وأن من يترك العمل سيكون مصيره الخسران والضياع، وأن السبب في وصول طلاب المرحوم السيد علي القاضي قدس سره إلى المراتب العالية هو العمل والمثابرة.
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
2أَعُوْذُ بِاللـهِ مِنَ الشَيْطَانِ الرَجِيمِ
بِسْمِ اللـهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
وَصَلّى اللـهُ عَلى مُحَمّدٍ وَآلِهِ الطَاهِرين
وَلَعْنَةُ اللـهِ عَلى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِين
تمهيد
إنّ طيّ طريق الله لا يكون بالكلام والأقوال فقط؛ بل يكون مقرونًا مع العمل، وكلّما عَمِل الإنسان سينجح ويترقّى بمقدار عمله، وكلّما ترك العمل سيتأخر ويتراجع.
لقد صعد رسول الله صلّى الله عليه وآله في فتح مكّة على جبل الصّفا، وآنذاك كان جميع بني عبد المطّلب مجتمعين حوله، وكان جمعًا عظيمًا، حيث انتصروا على الكفّار وصار المشركون مطرودين ومهزومين ومنبوذين، وأصبحوا أذلّاء وطلقاء، وباتت القدرة والعظمة والعزّة والشوكة لرسول الله وأصحابه وبني هاشم وبني عبد المطّلب، فألقى حينها رسول الله خطبةً مختصرةً جدّاً، وبدوري أعرض عليكم مفادها، قال صلّى الله عليه وآله: اعلموا يا بني عبد المطّلب! بما أنّ الغلبة والعزّة كانت للإسلام وقد نصرنا الله وجعل كلمة الحقّ غالبةً على كلمة الباطل، فلا تظنّوا أنّكم ولقرابتكم منّي فقد انتهى عملكم هنا وأنّكم مهما عملتم من عملٍ فلا بأس، لا تظنّوا أنّكم بسبب انتسابكم لنبيّ آخر الزّمان فسوف تكون أعمالكم وأفعالكم مغفورةً وسوف يُغضّ الطّرف عنها، كّلا! إنّ الأمر ليس كذلك أبدًا!
كلّ شخصٍ مرهونٌ بعمله، وأنا رهينُ عملي، وأنتم كذلك رهناء أعمالكم أيضًا! «إنّ لي عَمَلي ولَكُم عَمَلَكُم»۱و٢، فإذا قمت أنا نفسي بمعصيةٍ للّه فسوف أسقط وأهوي في وادي الهلكة.
وقد أوصى أمير المؤمنين عليه السّلام أبناءه بنفس هذه الوصيّة، وكذلك جميع الأئمّة عليهم السّلام قد أوصوا أبناءهم وأقاربهم وأصحابهم والمقرّبين منهم بهذه الوصيّة.
فليست المسألة أنّه يُمكن للإنسان الانتفاع والتقدّم بمجرّد الانتساب والقرابة، إذ أنّ ذلك مخالفٌ لما وَصَلنا من السُنّة الإلهيّة التامّة.
ولو كان الأمر كذلك لكان الله ظالمًا، إنّ الله يتعامل مع جميع الموجودات بنظرةٍ واحدةٍ، وإذا أردنا أن ننظر إلى هذه المواضيع ونعتقد بأنّ مجرّد الانتساب من دون العمل موجِبٌ لرفعة المقام والمنزلة، وموجبٌ للحركة والوصول، فمن الواضح بأنّ هذا الأمر سوف يكون خاطئًا مئة بالمئة.
حقيقة السلوك إلى الله وما ينبغي للسالك عمله
أوّلًا: العمل
إنّ السلوك عبارة عن العمل! وسلوك طريق الله يكون بالعمل! والسالك هو الذي يضع قدمه بصدقٍ في الطريق؛ وأهمّ ما يقوم به هو توطين النفس، إذ ينبغي له ومنذ الوهلة الأولى أن يشدّ حزامه ويحفظ نفسه ـ بحول الله وقوّته ـ من جميع الآفات والعاهات التي في هذا الطريق.
- بحار الأنوار، ج ٢۱، ص ۱۱۱.
- لمزيدٍ من الاطلاع على هذه الخطبة الشريفة راجع: معرفة المعاد، ج ٣، ص ۱٦۷؛ ج ۱۰، ص ٢٤۱؛ ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج ۱، ص ٩۸. (م).
