
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
محاضرة ألقاها سماحة العلامة الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني قدس الله نفسه الزكية في مشهد في الثالث من شوال سنة ألف و أربعمائة وإحدى عشرة هجرية، وهي تشتمل على حقيقة المراقبة وأهميتها للسالك، وضرورة تطبيقها على نفسه بترك الكلام ومخالطة الناس، وأن من يترك العمل سيكون مصيره الخسران والضياع، وأن السبب في وصول طلاب المرحوم السيد علي القاضي قدس سره إلى المراتب العالية هو العمل والمثابرة.
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
11لقد ذهب أحد طلاب المرحوم القاضي إلى «آذربيجان»، وبعد سنةٍ جاء شخص من «آذربيجان» إلى محضر سماحته، فسأله عن ذلك الطالب، فقال له: الحمد لله، لقد سلك مسْلكًا وأصبح من الوجهاء والناس تحبّه. والحاصل، لقد تأثّر المرحوم القاضي لذلك كثيرًا، وقال: هذه المعرفة والشهرة ـ أي: ذياع صيت الإنسان بين الناس واشتهاره ـ لهي آفّةٌ عظيمةٌ! يعني: عندما يُعرف الإنسان بين الناس، فإنّهم يقصدونه، ولكلّ واحدٍ منهم مطلبٌ، ومطالبهم في الغالب لا تتعدّى أمور المعاش والخبز والماء واللّحم وما شابه ذلك، ومن ناحيةٍ أخرى، هذا الشخص ليس كاملًا ولا واصلًا إلى سِدْرَة المُنتهى ولا متربّعًا عليها، وهو غارقٌ في جميع هذه الكثرات ومنشغلٌ بها، وبالتالي سيخسر روحه، وسيبقى إلى آخر عمْره بين طلب فلان، وطلب فلان، وهذا يُسلّم عليه وذاك يُطلق الصلوات، وهذا يُقبّل يده وذاك يُقبّل رجله، أمّا الذي اجتنب الشهرة؛ فعلى الأقل يستطيع أن يستجمع نفسه وقواه، وأن يتأمّل في مكنوناتها، ومع رعاية الصمت الذي تكلّمنا عنه سيصل في النهاية إلى مقامٍ ومنزلةٍ.
لقد قال لي الميرزا حسن النوري رحمة الله عليه (وقد توفي قريبًا في حادث سيْر وانتقل إلى رحمة الله تعالى): في يومٍ من الأيّام كنتُ في محضر آية الله البروجردي ـ رحمة الله عليه ـ فقال لي سماحته:
«يا ميرزا حسن، طلما كنتُ في «بروجرد» كُنتُ لنفسي، وحينما جئتُ إلى «قم» لم أعد ملكًا لنفسي، بل صرتُ للناس».
هل التفتم؟ لقد قال كلامًا صحيحًا.
نجاح مدرسة السيّد عليّ القاضي في الترقّي السلوكي
نعم! وعلى كلّ تقديرٍ، لقد ربّى المرحوم القاضي تلاميذ كانوا مؤدّبين وذوي وقارٍ وكانوا صبورين شكورين وعادلين إلى درجة أنّ الحاجّ السيّد عبد الهادي الشيرازي رحمة الله عليه ـ الذي كان من مراجع النجف المبرّزين، وكان رجلًا تقيًّا حقًّا ـ كان يعتبر كلّ تلميذٍ من تلامذة المرحوم القاضي معادلًا لشخصين، يعني: لو أتى إليه أحد تلامذة المرحوم القاضي وشهد في قضيّةٍ أو مرافعةٍ معيّنةٍ، كان يحسب شهادته بيّنةً تامّةً ويكتفي بها دون الحاجة إلى إحضار شاهدين عادلين.
