
أركان المراقبة الخمسة
و هي آخر محاضرة من هذه السلسلة القيّمة ، و أهم مواضيعها : 1ـ الكلام هو المظهر للنّفس و الكاشف عن حقيقة الإنسان. 2ـ سكوت اللّسان يفضي لسكون القلب. 3ـ حدود السكوت النّافع و الكلام الضّار. 4ـ الهدف من الطّعام هو حفظ سلامة المزاج و ليس الالتذاذ. 5ـ معاشرة عبيد الدّنيا تجرّ الإنسان نحو الدّنيا. 6ـ العزلة هي الابتعاد عن الفضاء الملوّث و وضع النّفس في دائرة الأولياء. 7ـ هدف السالك الوحيد هو الوصول إلی الله و لقاؤه. 8ـ الوصول إلی الله يتمّ بالسير المعتدل و التّدريجي..
أركان المراقبة الخمسة
12وفي المقابل الارتباط مع الصلحاء، ومع أولياء الله، ومع مَن كان ألمه هو الله، وفكره هو الله، ويذكر الله عن إخلاصٍ، هو ارتباطٌ جيّدٌ وضروريٌّ، أي: إنّه يُقوّي الإنسان ويمنحه الطاقة، فالسالك يحتاج إلى رفيقٍ، ولا يستطيع السلوك بمفرده، فهو يحتاج إلى صاحبٍ في أوقات التعب حتمًا، يتلاقيان ويقرآن القرآن، أو يشرحان الأشعار سويّاً، أو يُفسران نهج البلاغة، أو يتناولان المعارف الإلهيّة، أو يتحدّثان عن أحوال العرفاء والعظماء وأهل اليقين والصِدِّيقين، فيشرح هذا لذاك، وهذا ممّا يجلب النشاط.
ولكن إذا لم يكن للسالك رفيقٌ، فسوف يتعب، كالإنسان إذا أراد أن يعبر صحراء من الصحاري، فصحيحٌ أنّ عبور الصحراء أمرٌ ممكنٌ؛ ولكن لو كان لدى الإنسان رفيقٌ أنيسٌ، فسوف يتمّ عبور تلك الصحراء الطويلة بكلّ يُسرٍ، وسوف يعبرها بسرورٍ. ولكن إذا عبرها وحيدًا، فسيتعب ويشعر بالكسل، نعم سيتمّ عبورها ولكن بمشقةٍ.
ولذلك، أحد الدساتير هي أنّه على الإنسان أن يتجنّب الأفراد الذين لا ينفعونه، ويُلوّثون روحه، الذين يُوجب الحديث معهم اضطراب الإنسان، ويُسبّبون له الانزعاج ويُشْكِلون عليه وينتقدونه، فتجدهم يقولون: يا سيد لماذا لم تفعل هذا الفعل؟ لماذا فعلتَ ذلك الفعل؟ ليتك فعلتَ كذا، لكنتَ أصبحت صمصام السلطنة مثلًا! إنّك طبيبٌ يا سيّدي، وعليك أن تقدّم رسالةً في الدنيا! على الإنسان أن يبتعد عن هؤلاء، وعليه أن يتلو الفاتحة على هذا الكلام؛ لأنّهم أفرادٌ يميلون نحو الخيال فقط، وقد نزلوا عن عالم الوحدة والنور الإلهي وعلقوا في هذا المكان.
حينما يرى الإنسان في قلبه أنّه يطوي طريق الله وأنّه يعمل للّه، عليه أن لا ينصت إلى هؤلاء، وعدم الإنصات إليهم معناه أن لا يتحدّث معهم، بحيث يتمكّنوا من إلقاء هذه الأمور، وعليه أن يختار السكوت كي لا يتمكّنوا من ترك أثرٍ في الإنسان.
إذن فالدستور الأوّل كان السكوت، والدستور الثاني المراقبة في الغذاء وفي الأطعمة المفيدة للإنسان، وهذا هو الدستور الثالث: العزلة، أي أن يرفع احتياجاته، وأن يُفكّر بنفسه، وأن يخرج من التشويش والاضطراب ومن المشاهد المليئة بالحركة التي تعود وتضرب ذلك الماء الذي كان يُريد أن يترسّب فيه الوحل والشوائب فتجعله مشوّشًا ومضطربًا، عليه أن لا يرى تلك المشاهد، وأن لا ينصت إلى تلك الكلمات، بل إنّ مطالعة أيّ كتاب يُوجد التشويش للإنسان فهو مضّرٌ أيضًا؛ «ووَقَفوا أَسماعَهُم عَلى العِلمِ النّافِعِ لَهُم»۱.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ۱٦۱.
