
أركان المراقبة الخمسة
و هي آخر محاضرة من هذه السلسلة القيّمة ، و أهم مواضيعها : 1ـ الكلام هو المظهر للنّفس و الكاشف عن حقيقة الإنسان. 2ـ سكوت اللّسان يفضي لسكون القلب. 3ـ حدود السكوت النّافع و الكلام الضّار. 4ـ الهدف من الطّعام هو حفظ سلامة المزاج و ليس الالتذاذ. 5ـ معاشرة عبيد الدّنيا تجرّ الإنسان نحو الدّنيا. 6ـ العزلة هي الابتعاد عن الفضاء الملوّث و وضع النّفس في دائرة الأولياء. 7ـ هدف السالك الوحيد هو الوصول إلی الله و لقاؤه. 8ـ الوصول إلی الله يتمّ بالسير المعتدل و التّدريجي..
أركان المراقبة الخمسة
8العلّامة: لا! لا! الطريق مفتوح بالنسبة للدعاء؛ إنّ الأمر يتعلّق بنطاق العمل، العمل خارج المنزل.
فمثلًا: أنت تعمل الآن في مستشفى، فلتتكلم بذلك المقدار النافع لك، فتقول مثلًا: يا سيّد فلان، فلتذهب ولتحضر هذا الملف! فلا تكرّر ولا تصرّ ولا تلحّ، هل التفت؟ جملةٌ واحدةٌ فقط، اذهب وأحضر الملف! ولا تناقش الناس كثيرًا، ولا تُطلعهم على أسرارك، ولا تُبدي لهم أحوالك، فلتُبقِها بداخلك، ولا تبدِ إلّا المقدار اللازم، وكفى! ليكن هناك قفلٌ على الفم، ولا تتجاوز ولا تفسح المجال لبيان ذلك المقدار الذي يبديه اللسان عن قلبك ونيتك، والقيام بهذا العمل ـ وهو ضبطُ اللسان ـ مهمّةٌ شاقّةٌ.
لقد وَرَدَ عن أحوال بعض السالكين القدماء أنّهم كانوا يضعون حصاةً في أفواههم، وكلّما أرادوا بيان أمرٍ عن غفلةٍ، فإنّهم لا يبيّنوه، فربّما أرادوا أن يُبينوه ولكن هناك حصاة في فمهم فيلتفتون: هل ما يريدون قولَهُ صحيحٌ أم لا؟ فإذا كان جيّدًا، يُخرجون الحصاةَ ويتكلّمون ثمّ يعيدونها إلى مكانها؛ إلى هذا القدر! إنّها مهمّةٌ صعبةٌ؛ لأنّ الإنسان قد اعتاد الكلام دائمًا، ولا بدّ أن يضبط نفسه وأن يقوم بالمجاهدة كي يَعبُر عن مسألة الصمت.
الركن الثاني: المحافظة على الصّحة وسلامة المزاج
والمسألة الأخرى هي: حفظ الصحّة والغذاء، فينبغي على الإنسان أن يتناول الأطعمة التي تُفيده، ولا ينبغي أن يتناول الأطعمة التي لا تنفعه ولا فائدة منها، وعادةً لا يُفكّر الناس بخصائص الأغذية وفوائدها عند تناولها، فمن باب المثال: يتناولون المُكسّرات والبذورات وأمثالها، ولكن هل رأيتم أحدًا يتناولها لخصائصها؟
المستمع: يأكلونها للاستمتاع بطعمها.
العلّامة: نعم، ينبغي ترك هذا الفعل جانبًا!
ينبغي على الإنسان تناول الأطعمة المفيدة لبدنه بحيث لا يَضعف، كما ينبغي أن يتناول الطعام الذي يحلّ مكان الطعام الذي يتحلّل من بدنه؛ لأنّه إذا عجز البدن، فإنّ الروح لا تستطيع أن تُؤدّي وظائفها. كان المرحوم السيد جمال الدّين الكلبايكاني ـ رحمة الله عليه ـ الذي ورد اسمه أكثر من مرّةٍ في كتاب معرفة المعاد، كان يُصرّ علينا جدّاً بأن نُحافظ على المزاج! نحافظ على المزاج! وكان يقول: إذا لم تحفظ مزاجك وأسرعت في المشي، وقمتَ برياضاتٍ غير صحيحةٍ، فإنّ بدنكم سيُصبح عليلًا، وعندما يكون البدن عليلًا، سوف تبقى خادمًا للبدن إلى آخر العمر، والبدن مَركبٌ لك، وينبغي عليه إيصالك إلى الهدف، فإن لم يتمكن من إيصالك إلى المقصد أصبح عليلًا وعندها ينبغي أن تأتي النفس وتخدم هذا الحيوان [يعني: بدلًا من أن يخدم البدن الحيواني النفس، تُصبح النفس هي التي تخدم البدن]! وإذا توقّف البدن عن العمل، لم يعد بإمكان الإنسان فعل شيءٍ، وهنا ينبغي أن تأتي النفس الشريفة وتصبح خادمةً للمركب.
