
ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر
الأمر الثالث
أهم مواضيع المحاضرة: 1ـ مراحل کتمان السّر. 2ـ أسوأ نتیجة لإفشاء السرّ هي الإستدراج. 3ـ الآثار السّلبیة لکشف السّر. أـ سدّ الطّریق أمام الآخرین. ب ـ الإبتلاء بالعجب. ج ـ عدم الوصول للمقصد. 4ـ موارد کتمان السّر. أـ الرّؤی و المکاشفات. ب ـ الدّستورات و البرامج العملیّة الخاصّة. 5ـ دور الأنبیاء و الأئمّة هو الإرتقاء بالنّاس معنوّیاً لا تسمینهم مادّیاً.
ضرورة كتمان الأسرار الإلهية، و الآثار السيئة لكشف السر
7وعندما يَرِد إلى السلوك شيئًا فشيئًا يرى أنّ كلّ ذلك ـ ويا للعَجب ـ كان عيبًا. ما معنى «أنا»؟ فهذا الإنسان الذي لا يمكنه أن يطرد عن نفسه ذبابةً، هذا الإنسان الذي يبلغ من العجز حدًّا يجعله يُصاب بالسكتة في لحظةٍ واحدةٍ، بحيث يتبدّل هذا اللسان الناطق، والفكر والحركة واللطف والنشاط والفوران يتبدّل كلّه إلى جسدٍ، ونقول أسرعوا في دفنه حتّى لا تؤذي رائحة تعفّنه الدنيا. ولو كانت هذه الكمالات لنا لما خسرناها، بل الله هو الذي أعطاها وهو الذي أخذها، فإذا جعلناها لله كان لها قيمة، وأمّا إذا جعلناها لأنفسنا فنحن مخطئون، وهذا هو طريق الشيطان والفرعنة، وحينئذٍ، فإنّ إفشاء الأسرار سيزيد ذلك العجب ويقوّيه.
العُجْب يعني: رؤية الشيء كبيرًا، الرضا عن النفس، الغرور بالنفس، الفخر بالنفس، والاعتزاز بها. إنّ وجود الإنسان صفرٌ، فكيف له أن يراه واحدًا؟!
إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله هو أوّلُ مخلوقٍ في العالم وأعظم مخلوق ومع ذلك أمره الله في القرآن الكريم أن يقول: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}۱، وفي مكانٍ آخر: {وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً}٢، وحقيقةُ الأمر هي كذلك؛ ولذلك نرى أنّ الأئمّة والأنبياء وخصوصًا الرسول الأكرم رغم مقاماتهم الرفيعة جدّاً لم يكونوا يتكلّمون عن هذه المسائل التي تُسبّب العُجب، لم تُسمَع منهم كلمةٌ واحدةٌ فيها مدحٌ للنفس: أنا كذا! أنا عندي الحالة كذا! بل كانوا يقولون: أنا عبدٌ ضعيفٌ مسكينٌ {لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}.
الأئمّة عليهم السلام لم يُصابوا بالعجب رغم مقاماتهم الرفيعة
كان الإمامان الباقر والصادق عليهما السلام معًا في الطريق إلى الشام حين أحضرهما عبد الملك بن مروان، وعندما وصلا إلى أحد الجبال جاء إلى محضرهما رجلٌ نصرانيٌّ ـ ولهذه الحادثة قصّةٌ مفصّلةٌ ـ فقال: «أَنْتَ عَالِمُ هَذِهِ الأُمّةِ؟» فقال الإمام: «لَسْتُ مِنْ جُهَّالِهَا»، فلم يقل: أنا عالمُ هذه الأمّة، بل قال: «لَسْتُ مِنْ جُهَّالِهَا»٣، لم يقل: أنا عالم هذه الأمّة، رغم أنّه في مقام التعليم والتربية.
- سورة الأعراف (۷)، صدر الآية ۱۸۸.
- سورة الفرقان (٢٥)، ذيل الآية ٣.
- بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٣۰۸.
