
ضرورة عدم الإلتفات إلى ما سوى الله من أجل الوصول إلى الله
أهم مواضيع المحاضرة: سبب صعوبة الطريق إلى الله وسبب سهولته. ما يحتاج إليه السالك لطيّ الطريق. * الأمر الأوّل: الهمّة العالية. قصّة المُرتاض الهندي مع الإمام الصادق عليه السلام. كلام أمير المؤمنين عليه السلام في تقسيم عبادة العبّاد إلى ثلاثة أقسام. قصّة المرحوم القاضي والميرزا إبراهيم عرب بجانب الشطّ. علامة القرب وعلامة البُعد. * الأمر الثاني: الاستقامة والتحمّل والصبر أمام العقبات. أنواع الموانع والحُجب في السير والسلوك. قصّة العلامة الطباطبائي مع الحور العين في مسجد الكوفة. كيفيّة تجاوز العقبات السلوكيّة. تشبيه السالكين بالطيور في كتاب منطق الطير.
ضرورة عدم الإلتفات إلى ما سوى الله من أجل الوصول إلى الله
4إنّ هذه العلوم للدنيا، وفائدتها محدودةٌ بوقت الموت، وحينما ينتقل الإنسان عن هذا العالم لا يكون قد اكتسب كمالًا بواسطتها، ولا يكون قد حصّل قربًا من الله.
قصّة المُرتاض الهندي مع الإمام الصادق عليه السلام
لقد جاء أحد هؤلاء المرتاضين اليوغيّين۱ إلى محضر الإمام الصادق عليه السلام.
السائل: هل كان مسلمًا؟
العلامة: لا، لم يكن مسلمًا، بل كان مُشركًا.
قال للإمام: «أنا أستطيع أن أُخبر عن الأمر الفلاني، وأنا أعرف الغيب»، وأمثال هذا الكلام، فقال الإمام: «حسنًا أخبرني ماذا يُوجد في يدي؟»، ففكّر وقال: «بيضة الحمامة الفلانيّة التي تقع في الجبل الفلاني، في المكان الفلاني من الدنيا؛ لأنّي نظرت الآن إلى كلّ الأماكن، فرأيتُ أنّ كلّ الأشياء في مكانها إلّا بيضةَ الحمامة تلك، ولذا في يدك بيضة الحمامة»، ففتح الإمام يده، وقال: «صحيحٌ ما تقوله»، ثمّ قال له: «كيف وصلت إلى هذا المقام؟»، قال: «خالفتُ نفسي»، فقال الإمام: «أسلِم!» فقال: «لا أُسلِم»، فقال الإمام: «خالف نفسكَ!»، فقال: «أشهدُ أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ مُحمّدًا رسول الله».
انتبه للأمر! ثمّ أغلق الإمام يده مرّةً أخرى، وقال: «ماذا في يدي؟» ففكّر وفكّر ثمّ قال: «لا أعلم»، ففتح الإمام يده وقال: «نفسُ تلك البيضة، انظر!»٢.
انتهى ما كان لديه، ذهب في حال سبيله، وقد وصل إلى التوحيد، يعني: من خلال هذه الـ «أشهدُ أن لا إله إلّا الله» وصل إلى نورٍ توحيديٍّ وحصل له ارتباطٌ بالله عزّ وجلّ بحيث إنّ هذه العلوم كانت صفرًا مقابله، وفقد كلّ ما كان لديه؛ لأنّ تلك العلوم والشهادات هي علومٌ وشهاداتٌ من أجل هذا العالم، من أجل عالم المادّة، وكان قد أجهد نفسه حتّى حصّلها ولكنّه حصّلها بدون الله، دون الاتّصال بالتوحيد؛ أمّا الآن فقد وصل إلى نقطة التوحيد تلك، إلى ذروة التوحيد تلك، وما يُفاض عليه من هناك، فهو ذو قيمةٍ وسيبقى له {مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ}٣.
لقد جلب الإمام بيضة الطائر بواسطة النور الإلهي، وأراه إيّاها، وهذا الأمر يبقى للإمام، ولذا في المرّة الثانية حينما أراه إيّاها كانت نفس البيضة وكان قد اطّلع سابقًا على جميع الدنيا أيضًا، ولكن لم يبقَ ذلك له؛ لأنّ طريقه كان خاطئًا، وعندما أسلم ووصل إلى التوحيد، زالت هذه العلوم المتكثّرة الضائعة الناشئة من ظلمة النفس، زالت بأجمعها وطهُرت نفسه، ومن الآن فصاعدًا مهما يُفاض عليه في عالم التوحيد فهو يُفاض عليه من قبل الله، وهي علومٌ حقّةٌ حقيقيّةٌ ولذا تبقى.
- وهم الأشخاص المنسوبين إلى اليوغا (yoga) ويُقال للفرد منهم يُوغيّ (yogin)، وهي فلسفة هندوسيّة تعني: وضع القيود، ويُصاحبها رياضاتٌ صعبةٌ، وقد تظهر للإنسان على إثرها بعض خوارق العادات. (م)
- من الجدير بالذكر أنّ هذه القصّة نُقلت في كشكول البحراني، ص٣٥۸، لكنّه نسبها إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام. (م)
- سورة النحل (۱٦)، صدر الآية ٩٦.
