
هدف الله تعالى وغايته من خلق الإنسان
أهم مواضيع المحاضرة: 1. الهدف من خلق الإنسان. 2. التوكّل على الله والإنابة إليه. 3. عالم الآخرة حقيقة لا خيال . 4. مسير الكمال يكون بالاختيار ومن خلال العبودية لله .
هدف الله تعالى وغايته من خلق الإنسان
7حينما كنّا راقدين في المستشفى، كانوا يحضرون أحيانًا وجبة الغداء، ومعها المناديل الورقيّة. كنّا نقتطع قسمًا من تلك المناديل الورقيّة، ونضعها أمامنا، فهذه كانت سُفرتنا، نفرشها هناك ونضع الطعام ونتناول منه لقمةً، مرّةً حلّ وقت الطعام، فقلتُ: يا سيّد محسن۱، أحضر هذه السفرة! أقسِم بروحك إنّ رئيس أمريكا لا يمتلك مثلها، هذه السفرة التي اقتطعناها [من المناديل الورقيّة]، ووضعناها هنا من أجلنا، ثمّ وضعنا هذا الطعام فوقها، وقد جلستَ أنتَ هنا بكامل الصفاء والوفاء والحُسن، بهذا القلب الفرح الخالي من الغمّ والغصّة. أقسم بالله إنّ رؤساء جمهوريّات الدنيا لا يملكون مثلها! يعني: هم لا يستطيعون أن يفرشوا سفرةً دون أن يكونوا مشغولي البال.
إذن، إذا كان الإنسان عاقلًا، وأراد أن يمتلك الدنيا فلا عيب في ذلك، إلّا أنّ طريقهم خاطئ؛ لأنّهم وبسبب سعيهم نحو الدنيا، فإنّهم يسيرون نحو العذاب ونحو جهنّم، إنّهم يسيرون نحو الانزعاج وعدم الراحة.
إنّ الإنسان لا يمشي في طريقٍ إلّا من أجل أن يرتاح باله، وعندما يرى أنّ ذلك الطريق يكدّر صفوه، فإنّه سينام ليلته منزعجًا، وسيستيقظ منزعجًا؛ تجده يرسم ألف خطّةٍ ماكرةٍ لكي يهزم الطرف الآخر، فأيّ حياةٍ هذه؟! وأيّ دنيا هي؟! حتّى لو كان قصره من الذهب وقد رفعه إلى عنان السماء! فأيّهما أفضل للإنسان، أن يكون لديه كأسٌ من الخشب تحتوي على ماءٍ باردٍ زلال، أم كأسٌ من الذهب تحتوي على دمٍّ يتقيّؤه؟ فرؤساء الجمهوريّات والسلاطين الذين يتقيّؤون الدماء ويموتون، ألم يتقيّؤوا تلك الدماء في الكؤوس الذهبيّة؟! والآن دعنا ننظر أيّهما أفضل: ذلك المسكين ذو الحظّ القليل الذي يعيش في القرية وهو مسلمٌ مؤمنٌ ويمتلك كأسًا خشبيّةً، يشرب وزوجته وأطفاله ماءً باردًا عذبًا، ويقول: الحمد للّه، أم ذاك [الرئيس]؟! أقسم بالله إنّ عبيد الدنيا مخطئون جميعًا! جميعًا!
اهل دنیا از کهین و از مهین *** لعنةُ الله عليهم أجمعین٢ [يقول: ألا لعنة الله على أهل الدنيا أجمعين صغيرهم وكبيرهم].
وهذا القيد (أي: أهل الدنيا) وُضع في قبال حياة الأولياء؛ يعني: غير أهل الله من الصغير والكبير، ولعنة الله، تعني: الإبعاد، أي: فليحلّ عليهم الابتعاد عن الله، وليُصبحوا أسرى لهذه الحياة الدنيا، ولكي تزول هذه اللعنة؛ عليهم أن يرفعوا الحجاب والستار عن أنفسهم من خلال المجاهدة، وأن يسيروا جميعًا من خلال توفيقات الله، ويأتوا إلى هذا السبيل، ويقولوا: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ * ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ}٣. إنّ الحمد مختصٌّ بذلك الإله الذي جعلنا في هذه الدار؛ دار المقامة، في مكان الاستقرار هذا، في هذا المقام المكين والمقام الأمين، وقد أعطانا ذلك من فضله، فما هو هذا المكان؟ هنا حيث لا نصَب، لا تعب، لا قلق ولا انزعاج فكر؛ هنا عالم الأمن، عالم الأمان، عالم السلام، هنا حيث توجد أسماء الله الحُسنى، ويقع اسم السلام.. السلام..{لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ}. لا وجود هنا لأيّ شيءٍ من تلك المتاعب، هذا هو مقام الإنسان الذي سعى ليبلغه، وهذا المقام لمن طوى هذا الطريق في الدنيا.
- المقصود هو نجله سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه، حيث كان يُجلس معه في المستشفى آنذاك. (م)
- من أشعارٍ منسوبةٍ إلى مولانا جلال الدين الرومي
- سورة فاطر (٣٥) ، الآيتان ٣٤ و ٣٥.
