
هدف الله تعالى وغايته من خلق الإنسان
أهم مواضيع المحاضرة: 1. الهدف من خلق الإنسان. 2. التوكّل على الله والإنابة إليه. 3. عالم الآخرة حقيقة لا خيال . 4. مسير الكمال يكون بالاختيار ومن خلال العبودية لله .
هدف الله تعالى وغايته من خلق الإنسان
15بعض التكاليف ومقتضيات العبوديّة والتوحيد الخالص
هذا الطريق لا بدّ أن يُطوى باختيار الإنسان، ولا فرق في ذلك سواء كان السالكُ نبيًّا أم إمامًا أم إنسانًا عاديّاً، فكلّ ما بَلَغَهُ النبيّ من الدرجات والمقامات إنّما وصل إليه من خلال المجاهدة، وكان تكليفه قد وصل إليه من قبل الله عزّ وجلّ.
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا * نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا * أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا * إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا}۱. قُم الآن الآن! فنفس النبيّ قامَ بجميع عباداته في غار حِراء٢، في ذلك المكان المُنعزل، ولمدّة أربعين سنة، فطوى جميع تلك الدرجات والكمالات، والآن وبعد أن صار نبيّاً، نجد أنّ الله يقول له من جديد: {قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا * نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا}.
إنّ الوقوف في محراب العبادة والدعاء والطلب والذكر والتوجّه نحو الله في الليل، هي أمورٌ حسنةٌ، وحينما يطلع النّهار، فاذهب واسبَحْ في هذا البحر الذي لا حدّ له من عالمِ الكثرة، وأمّا في الليل فتزوّد، ثمّ أنفق في النّهار. عليك أن تتزود في الليل ..! فإذا نِمتَ في الليل لن تتمكّن من التزوّد، وعندها ماذا ستُنفق في النهار؟! إنّ جُعبتك خاليةٌ، فماذا عساك أن تنفق؟! تعالَ في الليل واملأ جعبتك، ثمّ اذهب وأنفق في النّهار؛ ومع ذلك لن ينقص رأس مالك أبدًا، ولن ينقص شيءٌ من وجودك أيضًا، وسيبقى كلٌّ من نشاطِك وبهجتك وعزّة نفسك وقوّتك وكمالك المعنويّ على حاله؛ ولكن إذا أردت أن تُنفق من ذاتك، فستُصبح جعبتك فارغةً، وستبقى حينها خالي اليدين.
{إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا}٣، هذه هي وظائف النبيّ الذي هو «أَوّلُ ما خَلَقَ الله»٤ وأشرف بني آدم وأشرف المخلوقات، فالتكليف إنّما يأتي حسب الدرجات والمقامات، والنبيّ يتقبّلها بصدرٍ رحبٍ، ويقول: أهلًا وسهلًا ومرحبًا، سمعًا وطاعةً، إلهي أنا عبدك، إلهي فليكن المدد من عندك! إلهي لا تكلني إلى نفسي! أنا عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ حقيرٌ مسكينٌ، {وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا}٥.
- سورة المزّمّل (۷٣)، الآیات ۱ إلی ٦.
- «غار حِراء: بكسر الحاء، جبل من جبال النور قرب مكّة المكرّمة، وفيه غارٌ كان رسول الله يقضي فيه أوقات عزلته وخلوته قبل بعثته». (معرفة الإمام، ج ۱٢، ص ۱٥٤)
- سورة المزّمّل (۷٣)، الآیة ٥.
- لمزيدٍ من الاطلاع حول الروايات الواردة في «أَوَّلُ ما خَلَقَ اللَه»، راجع: معرفة الله، ج ۱، ص ٤۰ وما بعدها. (م).
- سورة الفرقان (٢٥)، ذيل الآية ٣.
