
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد
من هو أوّل تعيّن لذات الباري تعالى؟ وكيف تندمج جميع ظهورات الحقّ وأسمائه في الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؟ ما هو السرّ الدقيق في مسألة ربط الحادث بالقديم؟ وكيف تنشأ المادّة من المجرّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه الأسئلة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة، مبيّنةً مقامي الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم، وموضّحةً لكلام محيي الدين بن عربيّ في هذا السياق.
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
9مقام الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم
التلميذ: حينئذ؛ كيف تُفسَّر ـ في مقام الخلق ـ هذه الإفاضات التي تبدو بحسب الظاهر أنّها للرسول الأكرم نفسه؟ فمثلاً، جبرائيل ـ مِن جهةٍ ـ هو نفسُه مخلوقٌ يُمثّل تفصيلاً للوجود النبوِيّ، كما هو الشأن بالنسبة الجنّة والفردوس وكلّ هذه العوالم؛ ومِن جهةٍ أُخرى، كان يأتِي بالوحي إلى النبِيّ، ويغدو واسطةً بينه وبين الله تعالى.
الأستاذ: لقد مرّت معنا هذه المسائل إجمالاً، وبيّنا سابقًا أنّ وجود النبيّ الأكرم نفسه له مراتب ومراحل، مثل وجودنا الذي له مراتب ومراحل؛ أي: قد تكون مسألةٌ ما في زمان معيّن بنحوٍ لا يحتاج فيه الإنسانُ بتاتًا إلى وسائطَ لكي يحصل له الارتباطُ والاتّصالُ بحقائق الأشياء؛ بمعنى: قد يصل الإنسان في زمان ما بسبب ارتباطه وتوجّهه ـ وبالطبع نتحدّث عن الذين عبروا ـ إلى حقيقة الأشياء وحاقّها دون الحاجة إلى شيء آخر؛ ولكن، قد يحتاج هذا الإنسانُ نفسُه في زمان آخر لتلك الوسائط ولمرور الزمان وللانتقال المكانيّ؛ لأنّ هذه الأمور وسائط للعلم الحصوليّ بحقائق الأشياء التي [يُريد أن ] يعلم بها. فترون هنا أنّ الحالات التي تطرأ على الإنسان تختلف؛ فتارة، يكون في مقام الإجمال، وتارة، في مقام التفصيل.
بشكل عامّ، إذا اعتبرنا أنّ هذا النحو من التغيّر والتبدّل في نفس الإنسان هو بإرادة الله تعالى، فيُمكننا القول في حقّ النبيّ الأكرم ما يلي:
في الزمان الذي كان فيه جبرائيل يأتي، ويُنزل القرآنَ على النبيّ أو يوحي إليه غير القرآن، كالمسائل والأحداث التي كان ستقع ـ مثل الرواية التي جاء فيها أنّ النبيّ الأكرم كان جالسًا، فجاء جبرائيل، وأراه حادثة كربلاء۱ ـ كان النبيّ في مقام يتلقّى فيه هذه الأمور بواسطة. وبالطبع، تحديد نوع هذه الواسطة خاضعٌ لإرادة الله؛ فهو تعالى يعلم أيّة أرضيّة يُوجدها الآن لهذا التعيّن والحقيقة، بحيث يختلف نحو الإدراك بسبب تلك الأرضيّة.
وتوجد موارد أخرى لا يستطيع فيها جبرائيل نفسه أن يفعل شيئًا هناك! وذلك حينما يتلقّى النبيُّ من الذات بلا واسطة؛ وهو مقام الاتّصال الذي يقول فيه جبرائيل: «لو دَنَوتُ أنمُلةً لاحترَقتُ!».٢ فتلك عوالم تتلقّى وتستفيد وتنتفع فيها هذه الذات من تلك الذات، ولا يستطيع جبرائيل نفسه أن يجد طريقًا إلى هناك! و«يجد طريقًا» تعني أنّه لا يُمكن لأيّ تعيّنٍ أن يكون واسطة هناك، لا أنّ جبرائيل منفصل عن وجود النبيّ ولا يستطيع إقحام نفسه؛ فالمراد أنّ النبيّ لا يُمكنه أن يضع تعيّنًا أدنى منه في مقام ذاته تلك.
- راجع: الإرشاد، ج ٢، ص ۱٣۰.
- مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ۱۷٩. ولمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الله، ج ۱، ص ٩٢.
