
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد
من هو أوّل تعيّن لذات الباري تعالى؟ وكيف تندمج جميع ظهورات الحقّ وأسمائه في الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؟ ما هو السرّ الدقيق في مسألة ربط الحادث بالقديم؟ وكيف تنشأ المادّة من المجرّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه الأسئلة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة، مبيّنةً مقامي الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم، وموضّحةً لكلام محيي الدين بن عربيّ في هذا السياق.
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
7وبالتالي، يُمكننا القول إنّ النبيّ الأكرم ـ من جهةٍ ـ هو أوّل تعيّن من التعيّنات الإلهيّة التي تجلّت، وأوجدت حقيقة الولاية المحمّدية، والتي هي عين الارتباط بين الله وسائر الظهورات؛ أي إنّ تلك الواسطة تأتي، وتُخرج كلّ ما كان الله تعالى قد حفظه داخل ذاته بصفته يُمثّل مقام الإجمال ـ مع أنّنا نستخدم هذا التعبير موافقةً للاصطلاح العامّي ـ، فتُخرجه، وتُبرزه معها. فالنبيّ الأكرم هو أوّل تعيّن من جهة الوجه الربّي ومن حيث انتسابه لله تعالى وارتباطه به؛ أي: أوّل مخلوق وأوّل معلول.
آخر تنزّل لذات الحقّ تعالى
ومن جهة أخرى، وبسبب ارتباط النبيّ الأكرم بتلك الصور التي وُجدت في هذا العالم، فهو آخر التنزّلات؛ أي إنّه تنزّل من أوّل التعيّنات إلى آخر تنزّلات النوع الإنسانيّ، واشتمل عليها جميعًا؛ أجل، يبقى أنّ هذا الأمر مرتبط بحقيقته النورانيّة، لا حقيقته الجسمانيّة التي وُجدت قبل ۱٤۰۰ عام. فتلك الحقيقة النورانيّة عبارة عن الارتباط بين المبدأ والمعاد، والارتباط بين المبدأ وآخر نقطة لنزول فيض الله تعالى. ومن هنا، فإنّ وجود النبيّ الأكرم هو الذي تتعيّن وتظهر فيه جميع الموجودات. فموجوداتٌ كالملائكة المقرّبين والروح الأمين وجبرائيل تتّعين من وجود النبيّ؛ كما أنّ موجودات أظلم العوالم۱ ـ كالإنسان الذي تعلّقت نفسه بهذه النشأة المادّية ـ تتّعين أيضًا من وجوده صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وبالتالي، فإنّ عالم الممكنات يقع بأجمعه تحت ظلّ الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم، بحيث تكون هذه الممكنات عبارة عن تفصيلٍ لوجوده صلّى الله عليه وآله على حسب مراتبهم.
تلك الحقيقة النورانيّة للنبيّ الأكرم لها مراتب؛ أي: عندما تريد تلك الولاية وذلك الوجود النورانيّ للنبيّ أن يتحوّل ليُصبح وجودًا ماديًّا، يجب أن تكون هناك سنخيّة ومماثلة؛ ولهذا، يوجِد النبيُّ واسطةً، وهذه الواسطة توجد واسطة، وهكذا دواليك.
الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم هو التعيّن الوحيد لذات الحقّ
التلميذ: إذا كان حذف الوسائط جائزًا هنا، ونسبنا جميع الوسائط للنبيّ، فلماذا لا نحذف النبيّ نفسه، وننسب الأمر لله تعالى؟
الأستاذ: لا فرق في البين، ولا إشكال في ذلك؛ غاية الأمر أنّ الحديث هو عن التعيّن؛ أي أنّه لا يوجد تعيّن سوى النبيّ الأكرم؛ وإلاّ، فهناك مقام الذات، ولا معنى للواسطة فيه بتاتًا.
- يُطلَق مصطلح «أظلم العوالم» في عبارات الفلاسفة والعرفاء على عالم المادّة، والذي يقع من حيث السعة الوجوديّة في مرتبةٍ دنيا قياسًا بالعوالم الربوبيّة. ولَمّا كانت الحيثيّة الإمكانيّة والماهويّة تطغى أكثر على عالم المادّة بالمقارنة مع سائر العوالم المجرّدة، وكانت الماهيّة مثارًا للكثرة والظلمة ـ في مقابل الوجود الذي توجد فيه فعليّة جهة الوحدة والنور ـ فإنّه كلّما ابتعدت قوالب الموجودات العينيّة في العوالم المترتّبة عن مبدأ الوجود، اشتدّت جهتُها الإمكانيّة والماهويّة، وتقوّت فيها الظلمة الإمكانيّة؛ ولهذا السبب، يُطلَق على عالم المادة «أظلم العوالم».
ولكن، بالنظر إلى المسائل المذكورة في النصّ، ورغم أنّ عالم المادّة يخضع في جوهره إلى محدوديّة وجوديّة أكبر قياسًا بالعوالم العُلويّة، إلّا أنّه ـ على أيّ حالٍ ـ يحظى بنور الوجود؛ مع أنّ تقابل النور والظلمة هو تقابل تضادّ، بل أشبه بالتناقض؛ وبالتالي، فإنّ إطلاق هذا الاصطلاح لا يبدو موجّهًا من الناحية العلميّة. نعم، لَمّا كان ارتباط عالم المادّة بالملأ الأعلى ومبدأ الوجود ـ من جهة الحيثيّة الماديّة ـ يكتنفه إبهامٌ أكبر قياسًا بسائر العوالم، أمكن توجيه هذا الإطلاق إلى حدّ ما؛ مثلما يُطلِق العرب على الأمر المشتبه وغير الواضح مصطلح «مُظلَم».
لمزيدٍ من الاطّلاع، راجع: الدرس ۱٥.
- يُطلَق مصطلح «أظلم العوالم» في عبارات الفلاسفة والعرفاء على عالم المادّة، والذي يقع من حيث السعة الوجوديّة في مرتبةٍ دنيا قياسًا بالعوالم الربوبيّة. ولَمّا كانت الحيثيّة الإمكانيّة والماهويّة تطغى أكثر على عالم المادّة بالمقارنة مع سائر العوالم المجرّدة، وكانت الماهيّة مثارًا للكثرة والظلمة ـ في مقابل الوجود الذي توجد فيه فعليّة جهة الوحدة والنور ـ فإنّه كلّما ابتعدت قوالب الموجودات العينيّة في العوالم المترتّبة عن مبدأ الوجود، اشتدّت جهتُها الإمكانيّة والماهويّة، وتقوّت فيها الظلمة الإمكانيّة؛ ولهذا السبب، يُطلَق على عالم المادة «أظلم العوالم».
