
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد
من هو أوّل تعيّن لذات الباري تعالى؟ وكيف تندمج جميع ظهورات الحقّ وأسمائه في الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؟ ما هو السرّ الدقيق في مسألة ربط الحادث بالقديم؟ وكيف تنشأ المادّة من المجرّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه الأسئلة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة، مبيّنةً مقامي الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم، وموضّحةً لكلام محيي الدين بن عربيّ في هذا السياق.
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
6كانَ لي أستاذٌ دَرَست على يديهِ (الجوهرَ النضيد) ورسالةَ (التصوّر والتصديق) لصدر المتألهين وغيرها. فكانَ يقول:
لَمّا قَدِمتُ من تبريز، اصطحبتُ ديكًا كانَ يصيحُ لي في مواقيتِه؛ فيصيحُ في جوفِ الليلِ وقبلَ الأذانِ بساعةٍ إيذانًا بصلاةِ الليل، ويصيحُ عندَ أذانِ الفجر، وعندَ الظهر و… ومُجملُ القولِ أنّهُ كانَ يُوقظُني لِصلاةِ الليل، ويُؤذّنُ للظهر و… فجئتُ بهِ إلى قُمّ. وبعدَ مُضيِّ شَطرٍ من الزمن، وإطعامِي إيّاهُ من طعامِ طَلَبةِ الحوزةِ وخُبزِ المشايخ، واقتياتِهِ من حِنطةِ الخُمسِ وسَهمِ الإمام ـ ولا يَخفى من أينَ وكيفَ تُجمَعُ هذهِ الأموال! ـ إذا بي أراهُ يَصيحُ في الرابعةِ عَصرًا! ويصيحُ في العاشرةِ ضُحىً! وفي يومٍ رأيتُهُ يصيحُ فيه، خاطبتُهُ قائلاً: لا تَثريبَ عليك! فأنا مَن سَيُحاسَبُ أمامَ اللهِ يومَ القيامة! إذ لو احتجَّ هذا الديكُ قائلاً: «لقد كنتُ مؤمنًا وَرِعًا، ومُتديِّنًا خبيرًا بمواقيتِ الصلاةِ والمناجاة! فأطعموني من خُبزِ المشايخِ هذا حتّى آلَ بيَ المآلُ إلى هذا الأمر!»، فحينها، يجبُ عليَّ أنا أن أُقدِّمَ للهِ تعالى الجواب!
فنفس النبيّ الأكرم هنا هي الواسطة الأولى لتجلّي الله تعالى، بحيث إنّ سائر التجلّيات تكمن داخل هذا التجلّي؛ وهو الواسطة لإخراج ما في ذلك الكنز المخفيّ والغيب المكنون والمستور إلى مرحلة التعيّن والظهور. ولولا هذه الواسطة، لمَا كان هناك خبرٌ عن الجبال والأرض والسماء، ولا عن الشجر والمدر، ولا عن الحيوان والإنسان والملائكة والمجرّدات والعقول! لم يكن ليكون هناك أيّ شيء! فتلك الواسطة هي التي جعلت تلك الحقائق تخرج من العالم المكنون إلى ساحة الظهور.
بناءً على ذلك، فإنّ جميع ما وُجد في هذه الدنيا في سلسلة مراتب العقول، والملائكة، وملائكة المراتب الدنيا، وعالم الملكوت، والملكوت السفليّ، والبرزخ والمثال، ثمّ عالم المادّة الذي هو أظلم العوالم وأدنى العوالم، هو بروزات وظهورات لتلك الواسطة؛ أي إنّ تلك الواسطة تأتي، وتُخرج من نفسها ما هو بروز وظهور لذلك الغيب المكنون، على حسب مراتبه وعلى حسب مراتب الاستعداد ومراتب الشدّة والضعف في النورانيّة. فتأتي بذلك جميعًا من ذلك العلوّ الذي هو مرتبة العقول والملائكة، نزولاً إلى الأسفل، وحتّى الوصول إلى النهاية ـ حيث تكون آخر مرحلة هي مرتبة المادّة ـ، وتتوقّف هناك.
