
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد
من هو أوّل تعيّن لذات الباري تعالى؟ وكيف تندمج جميع ظهورات الحقّ وأسمائه في الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؟ ما هو السرّ الدقيق في مسألة ربط الحادث بالقديم؟ وكيف تنشأ المادّة من المجرّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه الأسئلة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة، مبيّنةً مقامي الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم، وموضّحةً لكلام محيي الدين بن عربيّ في هذا السياق.
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
2بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
النبيّ الأكرم أوّل تعيّن لذات الباري تعالى
المسألة التي بقي علينا بحثها هي كيفيّة الأسفار الأربعة. فعبارة «الأسفار الأربعة» لم تَرِد كـ «أربعة» قبل صدر المتألهين؛ أجل، ذُكرت قبله، وكانت موجودة في عبارات محيي الدين والملاّ عبد الرزاق [الكاشانيّ] وغيرهما،۱ غاية الأمر أنّها لم تَرِد كـ «أسفار أربعة» مرتّبة بهذه الطريقة وهذا النحو.
فكما بيّنا سابقًا، ورد في عبارة محيي الدين أنّه قال في حقّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله:
اللهمّ أفِض صِلَةَ صَلوَاتِكَ وسَلامَةَ تسليماتِكَ على أوّلِ التعينّاتِ المُفاضَةِ منَ العَماءِ الربانيّ، وآخِرِ التنزّلاتِ المُضافةِ إلى النوعِ الإنسانيّ.٢
فيُبيّن هنا معالم الوجهين الربّي والخلقيّ لهذه النشأة في وجود النبيّ الأكرم؛ إذ يمثّل وجودُه صلّى الله عليه وآله ـ بلحاظ الوجه الربّي ـ التعيّن الأوّل؛ أي مقام الواحديّة.
تجلّي سائر ظهورات الوجود من وجود النبيّ الأكرم النورانيّ
وبعد ذلك، يأتي بعبارة قائلاً:
نقطةُ الوحدةِ بينَ قَوسَي الأحديّةِ والواحديّةِ.٣
نحن نعلم أنّ الخطّ يُرسم بواسطة النقطة؛ وبعد الخطّ، يُرسم السطح؛ وبعده الجسم التعليميّ؛ ولهذا، اختاروا النقطة ـ كتمثيل اعتباريّ حسّيّ بموازاة الحقيقة التكوينيّة للأشياء ـ لبيان الجهة الرابطة بين الخلق والخالق، وبين الربّ والمربوب، حيث إنّ هذه الجهة الرابطة هي عبارة عن النقطة التي ترسم الخطّ والسطح، ويُمكنها كذلك أن ترسم الجسم التعليميّ.
إذن، تلك الحقيقة التي تتكوّن بها جميع العوالم ـ من عالم الذات فما دونه ـ هي الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم، حيث تخرج جميع الأشياء بواسطة هذا الوجود من مقام الإجمال إلى مقام التفصيل؛ أي: تخرج من مقام الهوهويّة الذاتيّة التي لا اسم لها ولا رسم، وتُصبح ذات تعيّنات وحدود؛ فبعضها يتجرّد، ويُصبح ملائكة، وبعضها يتجرّد، ويُصبح عقولاً، وبعضها يُصبح ملائكة ذات مراتب أدنى، ثمّ تُوجَد حقائق الأشياء وثبوتها في عالم الملكوت، ثمّ تتشكّل الجهة المثاليّة لها في عالم البرزخ، ثمّ تأتي إلى هنا؛ وهي النشأة الدنيويّة للأشياء. فالوجود والحقيقة التي توجب خروج جميع الأشياء من مرحلة الإجمال، وتكوّنها في مرحلة التفصيل ـ وآخر مراتبها في الإنسان هو التعلّق بالبدن ـ إنّما هو الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم.
- مجموعة رسائل ابن عربي، الإسفار عن نتايج الأسفار، ص ٣؛ المقدّمات من كتاب نصّ النصوص، السيّد حيدر الآمليّ، ص ٢٦٨؛ اصطلاحات الصوفيّة، الملاّ عبدالرزّاق الكاشانيّ، ص ٣٦؛ شرح منازل السائرين، الكاشانيّ، ص ٢٢ ـ ٣٢.
- الصلوات الكبيرة (نسخة خطّية)، ابن عربي، ص ۱٦۱؛ مجموعة رسائل ابن عربي، توجّهات الحروف، ج ۱، ص ٦٥٤.
- الصلوات الكبيرة (نسخة خطّية)، ابن عربي، ص ۱٦۱.
