
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد
من هو أوّل تعيّن لذات الباري تعالى؟ وكيف تندمج جميع ظهورات الحقّ وأسمائه في الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؟ ما هو السرّ الدقيق في مسألة ربط الحادث بالقديم؟ وكيف تنشأ المادّة من المجرّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه الأسئلة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة، مبيّنةً مقامي الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم، وموضّحةً لكلام محيي الدين بن عربيّ في هذا السياق.
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
11فذكرت هذه القضيّة مرّة للمرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، وأنّ فلانًا قال: «مهما فعلنا لم نفهم!»، فقال: «وأستاذه لم يفهمها أيضًا!».
وبقيت هذه المسألة في ذهني هكذا. وقبل حوالي عشرة إلى اثني عشر عامًا، كنت في القطار ليلاً أُفكّر فيها. كنت قادمًا من مشهد إلى طهران. كان الوقت منتصف الليل والجميع نيام. وكنت مستيقظًا أمشي في العربة وأتأمّل في الخارج؛ ثمّ وقفت في زاوية، وبدأت أفكّر مرّة أخرى في مسألة ربط الحادث بالقديم. وفجأةً، أدركت أنّ هذه القضيّة سهلة ويسيرة جدًّا! تخيّلوا سحابة. ترون أنّ السحب متناثرة في السماء، ولا ترون لها تشكّلاً. وفجأة، ترون أنّ سحابة قد تشكّلت في مكان ما؛ خاصّة في الصيف عندما يكون الجوّ حارًّا، وتنظرون للسماء، فترون سحابة قد تشكّلت، مع أنّه لم يكن هناك شيء في الأساس! ولكن، لأنّها كانت متناثرة، لم تكن واضحة. ثمّ تنظرون فجأة، فماذا حدث للسحابة؟! لقد اختفى أثرُها! تشتّتت، ولم يعُد لها أثر. في حين أنّ هذه السحابة المتشكّلة هي عين تلك السحابة المتناثرة والمنتشرة، وتلك السحابة المنتشرة هي عينها التي تجمّعت وتراكمت؛ ولا فرق بينهما إلاّ في الانتشار والتراكم، حيث حصلتا هنا على ظهورات مختلفة.
ومسألة المادّة والمجرّد هي كذلك أيضًا؛ فالمادّة ليست سوى المجرّد، والمجرّد ليس سوى المادّة. أي إنّ المجرّد يتحوّل إلى مادّة، وإن اختلفت هويّته، ولكن، لا يعني ذلك أنّه يمتلك ماهيّة منفصلة تمامًا عن المجرّد، وأنّهما منفصلان؛ بل هذا المجرّد نفسه يُحوّل نفسه إلى مادّة، ويتصلّب؛ أي: يُوجِد في نفسه تغيّرًا، ويُصبح مادّةً. وعندما يُصبح مادّة، تُحمل عليه عوارض المادّة: فيحتاج إلى زمان، ومكان، ولون، ورائحة، وشكل.۱
التلميذ: فكيف يكونان إذن في وجود واحد؟ مع أنّ اللازم هو ألاّ يكونا في وجود واحد.
الأستاذ: ذُكرت تلك المسألة كتشبيه. وكونهما في وجود واحد هو بسبب أصل الوجود، أي إنّه لازم الوجود نفسه؛ لأنّ حقيقة الوجود مجرّدة وخالية عن الزمان والمكان. وحقيقة الوجود هذه من شأنها أن تتعيّن ـ بمرتبتها المجرّدة ـ على هيئةِ مادّةٍ، وتكون في الوقت نفسه حاضرةً في صميم تلك المادّة. أي إنّ المجرّد نفسه هو الذي أظهر نفسه بهذا الشكل الآن؛ وبمجرّد أن يُظهر نفسه بهذا الشكل، ينفتح، ويُصبح مجرّدًا؛ لا أنّه يصير منفصلاً عنه، ويفقد وجوده البدويّ ليُصبح مجرّدًا، بل المجرّد يكمن في باطن هذه المادّة. وهذه المسألة ليست تبديلاً؛ لأنّ التبديل شيء مختلف، ويكون في موردٍ يحصل فيه تمايزٌ.
- لمزيد من الاطّلاع على بحث ربط الحادث بالقديم، راجع: أفق وحي (فارسيّ)، ص ۷٣ ـ ۷٦.
