
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
السرّ الفلسفيّ في ربط الحادث بالقديم وحقيقة العلاقة بين المادّي والمجرّد
من هو أوّل تعيّن لذات الباري تعالى؟ وكيف تندمج جميع ظهورات الحقّ وأسمائه في الوجود النورانيّ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؟ ما هو السرّ الدقيق في مسألة ربط الحادث بالقديم؟ وكيف تنشأ المادّة من المجرّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه الأسئلة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة، مبيّنةً مقامي الإجمال والتفصيل في وجود الرسول الأكرم، وموضّحةً لكلام محيي الدين بن عربيّ في هذا السياق.
الأسفار الأربعة ـ التعيّن الأوّل لذات الحقّ وواسطة الفيض الإلهيّ
10على سبيل المثال، فإنّ العمل الذي تُنجزونه في الخارج هو عبارة عن وجودٍ متنزّلٍ لكم؛ ومع ذلك، فإنّه لا يُمكنكم استيعاب هذا العمل في داخلكم! هل تستطيعون فعل ذلك؟! كأن تأخذوا الآن هذا الكتاب، فتتعلّق إرادتكم بأخذه من هنا. فرفع الكتاب هو عمل خارجيّ، وإرادتكم لذلك هي عمل نفسانيّ؛ ولكن، هل يُمكن لهذا العمل الخارجيّ أن يدخل في نفسكم؟! لا يُمكنه ذلك! لأنّه مادّة. ولذلك؛ تقتضي رعايةُ مراتب التعيّن الحفاظَ على هذه المرتبة. أمّا إذا تمكّنتم من السيطرة والإحاطة بالمادّة نفسها، ووصلتم لمرحلة من القدرة تستطيعون فيها تبديل المادّة إلى مجرّد، فيُمكنكم حينئذ إدخالُ هذه المادّة عينها في نفسكم؛ ولكنّكم الآن لا تستطيعون ذلك لعدم امتلاككم السيطرة على المادّة.
العلاقة بين المجرّد والمادّي
التلميذ: يجب أن تتبدّل المادّة إلى مجرّد؛ ولكن، ليس من شأنها أن تتبدّل مع الحفاظ على الوجود الماديّ.
الأستاذ: كلاّ، فمحورُ البحثِ يدور حول ما نعنيه بالمادّة. هل تظنّون أنّ المادّة شيء منفصل عن المجرّد؟! أي إنّ المادّة شيء، وفي قلبها وطيّاتها، توجد أشياء مجرّدة؟! لا، ليس الأمر كذلك. وبالمناسبة، لقد تحدّثتُ قبل فترة بخصوص نحوِ تعيّنِ المادّة وتعيّنِ المجرّد، وكيف أنّ المادّة لا يُمكنها في الأساس أن تكون حقيقة منفصلة عن المجرّد، ولا يُمكن أن يكون المجرّد حقيقة منفصلة؛ بل الاختلاف بينهما هو اختلاف في الشدّة والضعف فقط؛ وهو ما يُسمّى بالظهورات المتعدّدة. فالاختلاف الماهويّ بين المادّي والمجرّد لا معنى له بتاتًا؛ وإلاّ، لانعدمت السنخيّة بين العلّة والمعلول.
هل تذكرون أنّني كنت أتحدّث في مكان ما، وذكرت مسألة أنّني كنت أفكّر كثيرًا في مسألة الحادث والقديم، وحقيقة الحادث والقديم، ونوع الارتباط بينهما، وكيف يتحوّل أمر مجرّد إلى أمر ماديّ؛ والحال أنّ الأمر الماديّ يحتاج لزمان ومكان. وقبل فترة طويلة، ربّما اثني عشر أو ثلاثة عشر عامًا، كنت أفكّر في هذا الأمر، ثمّ قال لي أحدهم:
كنا ندرس مسألة ربط الحادث بالقديم في كتاب الأسفار عند مدرّس معروف توفّي رحمه الله؛ ومهما جادلناه لنفهم هذه المسألة، لم نفلح! حتّى توفّي، وبقيت المسألة غير ناضجة بالنسبة لنا، ولم نفهمها في الأخير!
