
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ
كيف يتحرّك السالك تدريجيًّا للوصول إلى مرتبة الفناء التامّ الذاتيّ؟ ولماذا تختلف سرعة السلاّك في طيّهم لمنازل السير إلى الله تعالى؟ ما هو السرّ الدقيق وراء تسمية كتاب الملاّ صدرا بـ«الحكمة المتعالية»؟ وما هي حقيقة العوالم الوجوديّة في مقام اللفّ والنشر؟ وما هي تفاصيل الأسفار الأربعة التي يطويها العارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة ـ التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه ـ عن هذه الأسئلة، كاشفةً اللثام عن أسرار السير والسلوك وارتباط الكشف والشهود بالبراهين العقليّة والنقليّة.
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
8إنّ الأمر يختلف كثيرًا! عندما تقولون: الطبيعة، فإنّكم تفصلون الله تعالى عن هذه الطبيعة، وتُرجعون سلسلة العلل إلى المادّة! فأنتم لا تُرجعونها إلى الله تعالى، بل تقولون: انظر إلى ما تفعله الطبيعة!
حسنًا، يجب أن نسأل هؤلاء السادة المادّيين الذين هم كذلك: أنتم تقولون: «انظروا إلى ما تفعله الطبيعة!»؛ حسنًا جدًّا، لقد قَبِلنا بذلك؛ لكن، ما هي هذه الطبيعة؟ الطبيعة هي الأرض، وهذه الأرض عبارة عن هذا التراب الذي أمامنا. الآن، خذوا حفنة من التراب، وأطلقوا عليها اسم الطبيعة. الآن، تعالوا، وأخبرونا عمّا تفعله هذه الطبيعة؟! هذا الشيء الذي أطلقتم عليه اسم الطبيعة هو التراب! التراب والجبل والحجر والوادي والصحراء وغيرها! يقولون: «الطبيعة تقوم بهذا العمل!». هذه الطبيعة عبارة عن هذا التراب الذي تدوسون عليه، وهذا الماء الذي تغسلون به أنفسكم! هذه هي الطبيعة. ذلك الذي يقول: «الطبيعة!» يرى أنّ هناك معنى كلّيا حاكمًا على هذه المادّة؛ وإلاّ، فاسألوه: ما هي هذه الطبيعة؟ هل هي الجبل؟ إنّ هذا الجبل الذي ارتفع فوق بعضه الآن، ويبدو كبيرًا في نظركم هو عبارة عن هذه الأحجار الصغيرة نفسها التي تجمّعت معًا، وأصبحت جبل أبي قبيس هذا! هذا لا يُعدّ شيئًا! هل هي البحر؟ البحر هو قطرة الماء هذه التي تُمسكونها في أيديكم، والتي إذا ازدادت، أصبحت بحرًا! إذا جعلتم هذه القطرة حَفنتين، ثلاث حَفنات، أربع حَفنات، مليونًا، مليارًا وغيرها... ستصبح بحيرة؛ وإذا ضاعفتم هذه البحيرة، مرّتين ستصبح بحرًا؛ وإذا ضاعفتم البحر ثلاث مرّات، سيُصبح محيطًا! هذا لا يُعدّ شيئًا! هذا الذي تقولون عنه: «انظروا إلى ما تفعله هذه الطبيعة!» أرونا ما هي هذه الطبيعة! هل هذه الشجرة الموجودة هنا هي الطبيعة؟! هذا لا معنى له في الأساس!
فمن باب المثال، عندما يُعارض السيّد الفلانيّ أحد الأفراد، يقولون: «إنّه قد عارض المؤسّسة الفلانيّة، ومعارضة هذه المؤسّسة تُعتبر من الجرائم». وعندما تسألون: يا سيّدي، ما هي هذه المؤسّسة التي تتحدّثون عنها؟ ففي النهاية، تمتلك هذه المؤسّسة مبنًى ووزارة؛ وهذا السيّد الذي يُعارض تلك المؤسّسة، هل يُعارض باب هذه الوزارة ولَبِناتها؟! لا أحد يعارض اللبنات! حسنًا جدًّا، هذا أمر مُستبعد. هل من يُريد معارضة المؤسّسة الفلانيّة يعُارض الطاولة والكرسيّ وما إلى ذلك؟ الطاولة والكرسيّ جمادات لا روح لها، ولا معنى لمعارضتها! حسنًا جدًّا، نقول: إنّ هذه المؤسّسة تمتلك في النهاية بوّابًا، وعامل نظافةٍ، ومسؤول ضيافةٍ، وطبّاخًا وغيرهم. هل ذلك الشخص يُعارض مسؤول الضيافة وعامل النظافة؟! كلاّ يا سيّدي، إنّه في الأساس لا يعرف مَن هو عامل النظافة المسكين، ومتى يأتي، ومتى يذهب، لكي يُعارضه الآن! حسنًا جدًّا، ثمّ نصعد مرتبة أعلى، ونقول: هل لديه معارضة مع هؤلاء الموظّفين الموجودين؟! هؤلاء الموظّفون لا إرادة لهم من أنفسهم في الأساس، وإرادتُهم متعلّقة برئيسهم أو مديرهم العامّ. كلاّ، هؤلاء المساكين ليس لديهم أيّ دخل في الأساس! باختصار، عندما نُتابع القضيّة، نجد أنّ هذا السيّد يُعارض ذلك الرئيس؛ وحينئذٍ، ولأنّه يُعارض هذا الرئيس، يقولون: إنّه عارض المؤسّسة! حسنًا، قُل إنّه يُعارضني؛ لماذا تقول إنّه يُعارض المؤسّسة؟! يا سيّدي، قُل إنّه يُعارضني! ولأنّه يُعارضك لا يعني أنّه يُعارض النبيّ صلّى الله عليه وآله والإمام عليه السلام! غدًا، سيتغيّر رأيُك، فتُصبح على رأيه، أو تتبادلان المواقع؛ وحينئذٍ، سيقول هذا السيّد: إنّه يعارض النبيّ!
