
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ
كيف يتحرّك السالك تدريجيًّا للوصول إلى مرتبة الفناء التامّ الذاتيّ؟ ولماذا تختلف سرعة السلاّك في طيّهم لمنازل السير إلى الله تعالى؟ ما هو السرّ الدقيق وراء تسمية كتاب الملاّ صدرا بـ«الحكمة المتعالية»؟ وما هي حقيقة العوالم الوجوديّة في مقام اللفّ والنشر؟ وما هي تفاصيل الأسفار الأربعة التي يطويها العارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة ـ التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه ـ عن هذه الأسئلة، كاشفةً اللثام عن أسرار السير والسلوك وارتباط الكشف والشهود بالبراهين العقليّة والنقليّة.
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
7المرتبة الثالثة: هناك شيء آخر نُشاهده أيضًا؛ وهي الحالات الروحانيّة التي تحصل للإنسان. على سبيل المثال، تُؤدّون صلاةً بحضور قلب، أو تُشاركون في مجلس سيّد الشهداء عليه السلام، أو تذهبون إلى مسجد، وتسمعون موعظةً ونصيحة من رجل ما، فتحصل لكم حالات روحانيّة وخفّة لم تكن موجودة قطعًا قبل ساعة، بل كانت حالة الكدورة حاكمة على الإنسان قبل ساعة. حسنًا، نُشاهد هذا أيضًا، وهو فوق المثال والبرزخ.
حسنًا، لندع العوالم الأعلى التي لا تعود تحصل لدينا فيها مشاهدة. ففي نهاية المطاف، لقد سحبنا أنفسنا إلى ثلاث مراحل: إحداها عالَم المادّة؛ وإحداها عالَم المثال؛ وإحداها عالَم ما فوق المثال الذي لا توجد فيه صورة، بل هو مجرّد روح وبهجة ونور؛ وطبعًا، هناك أشياء أخرى أيضًا فوق هذه الأمور. تَرتُّبُ هذه العوالم ـ يعني عالَم المادّة وعالَم المثال ثمّ العوالم العليا بشكل عامّ ـ قد أوجد في المجموع عالَمًا يُمثّل نشأة من النشآت الوجوديّة لآثار الله تعالى.
هذه المسألة التي أعرضها عليكم بهذه الطريقة ليست موجودة في أيّ مكان؛ غاية الأمر، لكي يتّضح مراد المرحوم صدر المتألّهين بشكل أفضل، ولتتّضح علّة تدوين وتأليف هذا الكتاب بشكل أحسن، دخلتُ من هذا الطريق. هذا أمرٌ نُعاين فيه ـ نحن الآن ـ المسألةَ بأنفسنا. ومع ذلك، فقد طُرحت طرقٌ أخرى أيضًا في هذا الباب.۱
السفر الثاني
السير الثاني هو أن نُشاهد بالعيان ـ وطبعًا مشاهدتنا هي مشاهدة عقلانيّة ـ أنّ ما هو موجود في هذا العالَم من عوالم الكثرة يجب أن يكون معلولاً للعوالم الكلّية، بحيث تكون هذه العوالم الكلّية قد أوجدت تلك العوالم [أي عوالم الكثرة] بسبب القهر والغلبة والولاية والسيطرة التي تمتلكها؛ وإلاّ، فكيف يُمكن أن يكون هذا البساط أو هذا التراب ـ الذي لا روح فيه ها هنا ـ قد وُجد؟!
نقد للقائلين بعلّية الطبيعة
يقول البعض: «الطبيعة! هذا عمل الطبيعة!».
أنا طوال فترة عمري، لم أرَ المرحوم العلاّمة يستخدم لفظ الطبيعة على لسانه أبدًا، كأن يقول مثلاً: إنّ الطبيعة قد فعلت هذا. رحم الله الحاجّ الميرزا حسن النوريّ؛ ففي أحد الأيّام، كان جالسًا عند المرحوم العلاّمة، وكانا يتحدّثان معًا حول مسألة وقضيّة ما؛ نظير أنّ النبات الفلانيّ يمتلك هذه الخصوصيّة وله هذه الخصوصيّة. كان حديثهما حول أمور كهذه. ثمّ قال: «حقًّا، انظر إلى ما تفعله هذه الطبيعة!»، فقال المرحوم العلاّمة بقوّة: «انظر إلى ما يفعله الله تعالى!!»، فقال: «حسنًا، لا فرق!»، فقال:
- راجع: التوحيد العلميّ والعينيّ (فارسيّ)، ص ٢٢٥ ـ ٢٢٩؛ أصول الفلسفة والمذهب الواقعيّ (فارسيّ)، العلاّمة الطباطبائيّ، ج ٥، ص ۱٥۸.
