
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ
كيف يتحرّك السالك تدريجيًّا للوصول إلى مرتبة الفناء التامّ الذاتيّ؟ ولماذا تختلف سرعة السلاّك في طيّهم لمنازل السير إلى الله تعالى؟ ما هو السرّ الدقيق وراء تسمية كتاب الملاّ صدرا بـ«الحكمة المتعالية»؟ وما هي حقيقة العوالم الوجوديّة في مقام اللفّ والنشر؟ وما هي تفاصيل الأسفار الأربعة التي يطويها العارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة ـ التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه ـ عن هذه الأسئلة، كاشفةً اللثام عن أسرار السير والسلوك وارتباط الكشف والشهود بالبراهين العقليّة والنقليّة.
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
4علّة تسمية الكتاب باسم «الحكمة المتعالية»
وأمّا المرحوم صدر المتألّهين، فيشير هنا إلى المسألة التالية [بما مضمونه]:
بما أنّ هذه الحكمة سُمّيت بالحكمة المتعالية، فلم يُلحظ فيها البُعد المشائيّ فقط لتقتصر على العقل والبحث والنظر الصرف، ولم يُلحظ فيها البُعد الإشراقيّ فقط لتكون مجرّدَ استمدادٍ من الذوق والكشف والشهود، ولا تقتصر فقط على المسائل المتعلّقة بالشرع والوحي، وهو البُعد الحقيقيّ الذي سبق بيانُه؛۱ يعني: ليست المسألة، وكأنّ هذه الأمور قد تمّ تجاهلها هنا.
لقد جمع [الملاّ صدرا] بين مختلف المسائل في هذه الحكمة؛ فمن الجهة النظريّة، تمّ البحث هنا في المسائل النظريّة الفلسفيّة، ومن الناحية الكشفيّة والشهوديّة، تمّ الاستشهاد في هذه الحكمة بالمكاشفات والشهودات والإلهامات والواردات القلبيّة؛ وكذلك من ناحية انطباق الحقائق الشرعيّة والنقليّة مع المسائل الواقعيّة ونفس الأمريّة، تمّ الاستشهاد والتأييد هنا بالشرع وبالآيات القرآنيّة وبكلمات النبيّ وأحاديثه وبالروايات. فبالنظر إلى كلّ هذا، أصبح اسم هذه الحكمة: الحكمة المتعالية؛ يعني أنّها تقع في مرتبة أرقى من ناحية الرفعة وعلوّ الشأن؛ وهي مرتبة ليست فوقها مرتبةٌ أخرى.
والمرحوم صدر المتألّهين يُشير في هذا الكتاب إلى هذه الجهة قائلاً [ما معناه]: إنّني بيّنت هنا ـ من ناحية السير النظريّ والسير العقليّ ـ ما هو مُتاح للسالك النظريّ من تلك المراتب الشهوديّة.
وهذه المراتب النظريّة قابلة للتطبيق قطعًا مع المراتب العمليّة ومع المراتب الشهوديّة. على سبيل المثال، عندما نبحث بحثًا نظريًّا في مسألة أصالة الوجود، فإنّ السالك العمليّ والعارف يُشاهد هذه المسألة بالوجدان. وعندما نبحث في مسألة وحدة الوجود، ونقول: «إنّه لا يسود في عالم الوجود أكثر من وجود واحد»، ونُزيل مسألة الاشتراك في الوجود، ونُقيم البرهان هنا على الوحدة الحقّة والمفهوميّة والمصداقيّة للوجود، فإنّ عارفًا فُتحت عينه لا يرى غيرَ ما نقوله؛ وما نقيم عليه البرهان هنا، يراه العارف أيضًا. هذه تصبح حكمة متعالية.
أو على سبيل المثال، عندما نبحث في باب الإمكان الذاتيّ للأشياء، وأنّ جوهر ذات جميع ما سوى الله يقتضي الإمكان الذاتيّ، ويقوم بجلب الفيض من المبدأ الفيّاض بلحاظ إمكانه الذاتيّ، فإنّ عارفًا انفتحت عينه على حقائق الأمور، وينظر إلى المسائل من رؤية الشهود والباطن، يرى المسألة نفسها، ولا يرى الاستغناء الذاتيّ لأيّ شيء، ويشعر بالفقر في كلّ شيء، ويرى كلّ شيء «هو». فالفقر يعني العدم، ويعني لا شيء.
- راجع: الدرس الخامس.
