
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ
كيف يتحرّك السالك تدريجيًّا للوصول إلى مرتبة الفناء التامّ الذاتيّ؟ ولماذا تختلف سرعة السلاّك في طيّهم لمنازل السير إلى الله تعالى؟ ما هو السرّ الدقيق وراء تسمية كتاب الملاّ صدرا بـ«الحكمة المتعالية»؟ وما هي حقيقة العوالم الوجوديّة في مقام اللفّ والنشر؟ وما هي تفاصيل الأسفار الأربعة التي يطويها العارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة ـ التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه ـ عن هذه الأسئلة، كاشفةً اللثام عن أسرار السير والسلوك وارتباط الكشف والشهود بالبراهين العقليّة والنقليّة.
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
2بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
كيفيّة الحركة التدريجيّة للسالك في السفر الأوّل للوصول إلى الفناء الذاتيّ التامّ
تطرّقتُ سابقًا في بحث الأمس إلى كيفيّة سلوك السالك إلى الله من أجل الوصول إلى مرتبة التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ والأسمائيّ والذاتيّ؛ والمسألة التي كانت تبدو هي: في باب التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ والاسمائيّ، إمكانيّة تحقّق هذه المراتب بدون التوحيد الذاتيّ، وإمكانيّة الفناء الأفعاليّ والفناء الصفاتيّ بدون الفناء الذاتيّ ممتنعة عقلاً وشهودًا ووجدانًا.
إذا أردنا أن نضرب لهذه المسألة مثالاً من باب الحسّيات، افترضوا أنّكم تريدون إذابة جسمٍ صلب وجامد في سائل مُذيب، فإنّ هذا الجسم الصلب لا يتحوّل دفعة واحدة وفي آن واحد إلى ذلك السائل المُذيب، بل يكتسب هذه السنخيّة والمماثلة شيئًا فشيئًا وبشكل متدرّج، إلى أن يتبدّل إليه ويحصل له التغيّر إليه. إذا أردتم على سبيل المثال أن تُذيبوا ملعقةً من العسل الصلب في كأس من الماء البارد؛ ففي البداية، عندما تضعون هذا المقدار من العسل الصلب في ذلك الماء، فإنّ الماء لا ينفذ فيه دفعة واحدة، ولا يتحوّل إلى ماء. ما يفعله الماء هو أنّه يبدأ أوّلاً بتليينه، ويستمرّ في تليينه وتليينه إلى أن يكتسب ذلك العسل سنخيّة السيلان [وتجانسًا سيلانيًّا] مع ذلك السائل الموجود هناك. حينئذٍ، وبواسطة سنخيّة السيلان هذه التي حصلت له تدريجيًّا، يقوم ذلك العسل بتحلية هذا الماء شيئًا فشيئًا، بحيث إنّكم حتّى بعد عشر ثوانٍ من وضع هذا العسل في هذا الوعاء، ترون أنّ طعم الماء قد تغيّر؛ وبعد عشرين ثانية، يُصبح طعم الماء أكثر حلاوة؛ وبعد نصف دقيقة، يزداد طعم الماء حلاوة؛ ثمّ يصل الوقت الذي لا ترون فيه بتاتًا أيّ أثر لذلك العسل، ولا ترون أيّ أثر للماء أيضًا، فيُصبح كلاهما واحدًا، ويُصبح وجودهما وجودًا وحدانيًّا.
تُبيّن هذه المسألة جهة سلوك السالك: فعندما يكون السالك منغمسًا في الشهوات ومنغمسًا في الدنيا والأمور الدنيئة، فإنّه ابتداءً وأوّلاً وقبل كلّ شيء، لا يُمكنه أن يحصل دفعة واحدة على المسانخة والمجانسة مع عالَم الملكوت والجبروت واللاهوت وغيرها؛ بل يجب أن تتحوّل روحه ونفسه هكذا شيئًا فشيئًا وتدريجيًّا من تلك الجهة المتمثّلة في الجمود والتوغّل في الشهوات، والتي تُشبه الحجاب الكبير الذي ألقاه على نفسه. وبمقدار ما تتحوّل نفسه، وتصبح ليّنة ومستعدّة، تسطع وتظهر منها الآثار الوجوديّة بذلك المقدار، حيث إنّ هذه الآثار الوجوديّة هي ما يُطلق عليه اسم عالَم المثال، وعالَم البرزخ، وعالَم الملكوت السفليّ، والملكوت العلويّ، والجبروت واللاهوت. فهذه آثارٌ وجوديّةٌ أخذت هذه النفسُ تكتسب سنخيّةً معها شيئًا فشيئًا، وتتجانس معها على نحوٍ تدريجيّ. وبناءً على هذا، فإنّ إمكانيّة أن تنتقل النفس من نقطة معيّنة إلى نقطة الكمال دفعة واحدةً ومن دون طيّ هذه المراحل محال عقلاً وممتنع شهودًا.
