
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ
كيف يتحرّك السالك تدريجيًّا للوصول إلى مرتبة الفناء التامّ الذاتيّ؟ ولماذا تختلف سرعة السلاّك في طيّهم لمنازل السير إلى الله تعالى؟ ما هو السرّ الدقيق وراء تسمية كتاب الملاّ صدرا بـ«الحكمة المتعالية»؟ وما هي حقيقة العوالم الوجوديّة في مقام اللفّ والنشر؟ وما هي تفاصيل الأسفار الأربعة التي يطويها العارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة ـ التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه ـ عن هذه الأسئلة، كاشفةً اللثام عن أسرار السير والسلوك وارتباط الكشف والشهود بالبراهين العقليّة والنقليّة.
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
12لا حدّية أسماء الحقّ تعالى وصفاته
فقهّارية الله تعالى وجلاله وجماله وعلمه وغيرها لا حدّ لها، وهي تُمثّل واقعيّة عينيّة خارجيّة؛ أي أنّ العلم مثلاً عبارة عن واقعيّة عينيّة خارجيّة، لا أنّه مجرّد مقدار من الأوهام والمسائل التصوّرية الذهنيّة والتخيّلات. كلّ ما ترونه في الكتب يحكي عن الواقعيّة الخارجيّة لذلك الشيء الموجود هناك؛ وهو مجرّد قطرة من بحر! ما أذكره لكم أقوله لكم واقعًا! كونوا على ثقة بأنّ ما جاء في الأسفار هو قطرة من بحر! يعني أنّه بذلك المقدار الذي يبتلّ فيه أصبعكم عندما تضعون يدكم في البحر. ولهذا، عندما نقول: «إنّ علم الله لا نهاية له بتاتًا»، فكيف يُمكن أن يكون ما هو موجود في هذا الكتاب قد تمكّن من الوصول إلى هذه الحقيقة؟!
تقول الآية القرآنيّة: ﴿وَلَو أَنَّمَا فِي ٱلأَرضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلَٰمٌ وَٱلبَحرُ يَمُدُّهُۥ مِن بَعدِهِۦ سَبعَةُ أَبحُرٍ مَّا نَفِدَت كَلِمَٰتُ ٱللَهِ﴾؛۱
لأنّ كلمات الله ـ أي مظاهره تعالى الوجوديّة ـ لا نهاية لها في الأساس! لقد قال الله تعالى: ﴿سبعةُ أبحرٍ﴾، ولكنّني أقول: «سبعة مليارات بحر»، بل هي لا نهاية لها بتاتًا؛ ومع ذلك، لا تزال ﴿مَّا نَفِدَت﴾! يعني لا يوجد حدّ يقف عنده علم الله تعالى، بحيث يصل العبد والسالك إلى هذا الحدّ، ويكون بوسعه القول: «لقد أحطتُ الآن بجميع علم الله، وانتهى الأمر، ولم يعد هناك أكثر من هذا الحدّ، وقد أصبحتُ مساويًا لله تعالى!». مثلاً، أنتَ حفظتَ عشر قصائد، وأنا أيضًا حفظتُ هذه العشرة؛ أو مثلاً أنتَ حللتَ هذه المسألة الآن، وأنا أيضًا حللتها الآن! إذن، فقد أصبحتُ مساويًا لله! كأن يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله من باب المثال: إنّ علمي وعلم الله متساويان الآن!
هذه المسألة هي عين قضيّة أمير المؤمنين عليه السلام ومالك الأشتر. وطبعًا، لقد طالعتُ الروايات الواردة بخصوص هذه القضيّة، غاية الأمر أنّهم يذكرونها بالنحو التالي: في صفّين، في ليلة الهرير، ضرب أمير المؤمنين عليه السلام وقتل ٥۰۱ رجلاً، وقتل مالك الأشتر أيضًا ٥۰۰ رجلاً. وفي اليوم التالي، التقيا، فقال [مالك]: «يا عليّ كم قتلت؟»، فقال عليه السلام: «٥۰۱ رجلاً»؛ فقال: «أنا قتلتُ أقلّ منكَ بواحد فقط!»؛ وطبعًا، لم يقل ذلك بهذا الأسلوب؛ لكنّه كان بهذا المضمون. فقال سلام الله عليه [ما معناه]: «كنتُ أنظر إلى سبعين عقبًا من أعقابه؛ فإن كان سيخرج منهم مسلم، رفعت عنه السيف؛ أمّا أنتَ، فكنتَ تحصد الجميع حصدًا، وتتقدّم!».٢ حسنًا، شتّان بين عليّ عليه السلام وبين مالك الأشتر! فعليّ عليه السلام ينظر إلى سبعين عقبًا من أعقابه! وأمير المؤمنين لا يكذب! يعني أنّه يرى ـ بواسطة الإحاطة الولائيّة التي يمتلكها ـ كلّ الوجود حتّى يوم القيامة؛ فيرى ما الذي سيولد من هذا، وماذا سيكون حفيده، وماذا سيكون ابن حفيده وأمثال ذلك... يعني أنّه ينظر إلى جميع التشعّبات والفروع من هذه الجهة ومن تلك الجهة، وينظر إلى المصالح، ويرى ما هي المصالح المترتّبة على هذا القتل، أو: إذا بقي هذا الإنسان، فما الذي سيفعله حفيده العاشر؛ يرى الجميع! يعني أنّه يُشاهد كلّ الوجود في قبضته، ثمّ يرى ما هي المصلحة، وهل هي في إبقاء هذا الإنسان أم في إفنائه؛ وأيًّا كان، فإنّه يفعله. أمّا مالك الأشتر، فيتقدّم فقط دون التوجّه إلى هذه الأمور.
- سورة لقمان، الآية ٢۷.
- راجع: إرشاد القلوب، ترجمة رضائي (فارسي)، ج ٢، ص ۱٩، الهامش، مع اختلاف يسير.
