
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
سرّ تسمية «الحكمة المتعالية» وكيفيّة السير التدريجيّ نحو الفناء الذاتيّ
كيف يتحرّك السالك تدريجيًّا للوصول إلى مرتبة الفناء التامّ الذاتيّ؟ ولماذا تختلف سرعة السلاّك في طيّهم لمنازل السير إلى الله تعالى؟ ما هو السرّ الدقيق وراء تسمية كتاب الملاّ صدرا بـ«الحكمة المتعالية»؟ وما هي حقيقة العوالم الوجوديّة في مقام اللفّ والنشر؟ وما هي تفاصيل الأسفار الأربعة التي يطويها العارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة الفلسفيّة والعرفانيّة العميقة ـ التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه ـ عن هذه الأسئلة، كاشفةً اللثام عن أسرار السير والسلوك وارتباط الكشف والشهود بالبراهين العقليّة والنقليّة.
الأسفار الأربعة ـ المراتب الأربع لعالَم الوجود في مقام النشر
11السفر الرابع للعلاّمة الطهرانيّ
أحيانًا، تنظرون، فترون أنّ بعض العرفاء يتوقّفون كثيرًا في سيرهم من الحقّ في الخلق بالحقّ، بحيث لا يُمكنهم التحرّك بتاتًا! أذكر ذات مرّة أنّني كنت أراقب حال المرحوم العلاّمة لحوالي ساعتين أو ثلاث ساعات. كان ذلك في أشهر الصيف، وكنّا نبسط فراشه بجانب الحديقة في فناء المنزل. وكانت هذه الحديقة تحتوي على زهور مختلفة، من جملتها زهرة "البيتونيا" التي لها رائحة طيّبة جدًّا. كان يُطالع هناك، ثمّ ينام هناك أيضًا. رأيته فجأة ينظر إلى هذه الزهور هكذا دون أن يفعل شيئًا، ثمّ ذهبتُ، واستغرق الأمر حوالي ساعتين أو ثلاث ساعات، وعدتُ مجدّدًا. فقال: «منذ مدّة، وأنا أفكّر في زهرة "البيتونيا" هذه، ولم يصل فكري إلى شيء بعدُ!». أذكر شخصيًّا أنّه كان ينظر لفترة طويلة ـ مثلاً من بداية الغروب أو حواليه ـ إلى زهرة بيتونيا واحدة، متفكّرًا فيما تفعله هذه الزهرة الواحدة! ثمّ كانت عبارته هكذا: «حتّى الآن، وصلتُ إلى أنّه يُمكن أن يتشكّل كلّ عالَم الوجود من بذرة "بيتونيا" واحدة!».. من بذرة بيتونيا واحدة! كلّ عالَم الوجود يُمكن أن يتشكّل ويُوجد من بذرة بيتونيا واحدة! ويقول: «وصلتُ إلى هنا حتّى الآن!»
الاختلاف في أسلوب تربية الأولياء الإلهيّين بسبب اختلافهم في السفر الرابع
هذا السير الرابع ـ يعني السير من الحقّ في الخلق بالحقّ ـ هو سير عجيب جدًّا بالنسبة للعرفاء الذين رجعوا من مقام الفناء، ويرون منذ ذلك الحين الآثار الجماليّة بالتفصيل.. إنّه عجيب جدًّا!
ذلك العارف الذي يكون في مرتبة أوسع من ناحية السير الرابع يُمكنه أن يُربّي بشكل أفضل، ويُمكنه أن يُرشد بشكل أفضل، حيث يكون أكثر اطّلاعًا على زوايا الأمور، وأكثر معرفةً بالخصوصيّات والمسائل والزوايا، ويُمكنه تشخيص الموانع بشكل أفضل. كلّ هذه الأمور تعود إلى هذا السير الرابع؛ وإلاّ، فإنّ السير من الحقّ إلى الخلق لازم للتربية؛ وما لم يكن موجودًا، فلا توجد تربية في الأساس! ففي هذا السير الرابع، يُصبح العارف أهلاً لكي يُربّي.
معنى السير في أسماء الله تعالى وصفاته الكلّية
ينتهي السير الطوليّ للعارف في السير إلى الحقّ، ويسير ـ أثناء السير من الحقّ في الحقّ بالحقّ ـ في الأسماء والصفات الكلّية وفي قهّارية الله تعالى. السير ليس أن يجلس [العارف] هنا، ويُفكّر، ويضع يده تحت ذقنه، ويقول: «إنّ الله قهّار، يعني أنّه يأتي بالزلازل أو الصواعق، ويُدمّر»؛ بل السير في القهّارية عبارة عن أن يتلوّن وجودُه ويمتلئ بالقهّارية الإلهيّة، وأن تتحرّك نفسُه مع قهّاريته تعالى.
