الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲)
9نعم، يُمكننا القول هنا بمراتب تشكيكيّة للتوحيد، والقول بالاختلاف في رُؤى الوحدة. فمثلاً، قد ينظر الإنسان في نفسه، ويرى أنّ جميع الأفعال هنا واحدة، وإن لم يصل ذهنه وعقله إلى مسألة حاقّ الوجود. بالطبع، يُمكننا بيان هذه المسألة نفسها بنحوٍ ما من ناحية برهانيّة فلسفيّة أيضًا. أي: يُمكننا القول من باب التمثيل والتشبيه: القضيّة لها حكمُ مصباحٍ واحد تجلّى في مرايا مختلفة. فقد لا تقع أعيننا على المصباح، ولكنّنا نرى الأضواء المتفاوتة؛ وبما أنّ عقلنا يقول: إنّ هذا الضوء يجب أن يكون ضوءًا واحدًا، وله منشأ واحد؛ إذن، يجب أن نكون هنا قائلين بتوحيد الأثر، وإن كان المتأثّر متفاوتًا. أي: وإن كانت تلك المرايا متفاوتة، إلاّ أنّها بأجمعها تمتلك أثرًا واحدًا؛ بمعنى: وإن لم تقع أعيننا على ذلك المصباح ولم نلتفت إليه، إلاّ أنّه يُمكننا هنا تصوّر هذه المسألة. فهذا التصوّر يكون من ناحية مفهوميّة؛ ولكن، متى نجد بأرواحنا هذه الوحدة الأفعاليّة حقًّا وحقيقةً؟ ليس في ذلك الوقت الذي تلمع فيه هذه الوحدة كبارقةٍ على أرواحنا، بل في ذلك الوقت الذي نرى فيه الذات واحدة أيضًا.
أنا لا أُريد ردّ كلام العرفاء، وأقول إنّه غير صحيح؛ بل أُريد إثبات أنّه: بأيّ مقدار يحصل لكم توحيد ذاتيّ، فبذلك المقدار نفسه يحصل لكم توحيد أفعاليّ وتوحيد صفاتيّ. لا يُمكن للسالك أن يحصل له توحيد أفعاليّ من دون توحيد ذاتيّ! إذا كان يرى التوحيد الأفعاليّ، ولكنّه لا يرى التوحيد الذاتيّ، فسيصل إلى مرحلة يحدث له فيها اختلاف في هذه الرؤية نفسها. أي إنّه كان يرى سابقًا أنّ جميع الأفعال واحدة؛ ولكنّه الآن يشاهد الوحدة بصورة أخرى غير الصورة السابقة، وفي مرتبة غير المرتبة السابقة. الآن، يرى وحدةً لم تعُد منفصلة عن الصفة؛ ولكنّه في ذلك الوقت، كان يرى وحدة الفعل منفصلة عن الصفة.
السالك الذي يحصل له التوحيد الأفعاليّ يقول بوجود مراتب مختلفة لِتعيّن الوجود: [أوّلاً] الوحدة في الأفعال، وهي مرتبة ضعيفة من الوجود؛ [ثانيًا] الوحدة في الصفات، وهي المرتبة الأقوى والأشدّ للوجود وهي علّة للأفعال؛ الوحدة في الأسماء، حيث تكون كلّ هذه الأسماء علّة للصفات، ويكون مثلاً نفس اسم زيد ونفس زيد عبارة عن مرتبة اسميّته وتعيّنه؛ [ثالثًا] الوحدة في الذات، والتي يرى فيها [السالك] ذاتًا واحدة هي ذلك الوجود البسيط نفسه.

