الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲)
6لا تظنّوا أنّنا نمتلك دائمًا ـ في الحالات التي تحدث لنا في هذه الدقائق واللحظات ـ طابعًا ثابتًا كتمثال، وأنّ المسائل تمرّ بجانبنا هكذا بشكل عابر؛ كلاّ! كلّ عمل وكلّ فعل نقوم به يُشبه مِعول النحّات الذي يُحدث تغييرًا في هذا التمثال؛ فإذا قمنا بفعل سيّئ، فإنّه يُسقط قطعة من هذا الحجر؛ وإذا قمنا بعمل صحيح، فإنّ ذلك الحجر يُرفع، ويُلصق في مكانه. إذا قمنا بعمل جيّد آخر، يُصيغ هذا المِعول مقدارًا من شكل التمثال وهيئته. وإذا قمنا بعمل آخر ـ وهكذا أعمال لاحقة أخرى ـ وكانت كلّ هذه الأعمال في المسار الجيّد، يتحوّل فجأة إلى تمثال ظريف جدًّا وممتاز جدًّا وثمين جدًّا؛ وإلاّ، إذا تحرّكنا في المسار السيّئ هكذا، وخطونا فيه، فإنّه يشبه ذلك الحجر الذي تُسقط منه قطعة باستمرار؛ وفجأةً، ترى أنّه لا يبقى شيء أبدًا ليعمل عليه النحّات!
كان عمر في هذه اللحظة يمتلك نفسًا بكيفيّة وشاكلة خاصّة؛ ولكن، بمجرّد أن قام بذلك العمل، أحدث فيه انقلابًا، وأنهى أمرَه، بحيث بوسعنا القول: إنّه من ذلك الحين فصاعدًا، انتهى أمرُه، وخُتم عليه! هذه عينٌ اقتلعها بنفسه ورماها، والعين التي تُرمى لا تعود إلى مكانها بعد ذلك! وإلاّ، فلو لم يفعل عمر ذلك في تلك اللحظة، لكان ربّما قد نجا؛ أي: لو أنّه عندما حدثت له رقّة في تلك اللحظة، كفّ يده، مع أنّه قد فعل ذلك الأمر مع السيدة الزهراء عليها السلام أيضًا؛ ولكن، لو كان قد كفّ يده، لربّما كان هذا نفسه نقطة إيجابيّة له قد تفيده في وقتٍ ما.
نفس الإنسان ـ التي تمتلك هذا الاستعداد ـ تبدأ بالانقلاب مع كلّ تغيير. وعندما تنقلب، تشتدّ تلك الصفات فيها هكذا أيضًا؛ لأنّ الصفة تنشأ منها؛ أي إنّ العمل الخارجيّ يُؤثّر في النفس، والصفات تنشأ من النفس، والأفعال تنشأ من الصفات أيضًا؛ وبالتالي، فهذه الذات في حالة تحوّل دائم؛ ومع تحوّلها، تتحوّل الصفات والأفعال أيضًا. تتحوّل هذه النفس مرّة أخرى؛ ومع تحوّلها، تتحوّل الصفات مرّة أخرى، وتتحوّل الأفعال أيضًا. وهكذا هو الإنسان؛ فهو في حال تغيّر ذاتيّ دائم، ويمتلك تغيّرًا في الصفات بالتبع. هذه مسألة مهمّة جدًّا يُستفاد منها في التوحيد الأفعاليّ والصفاتيّ وما إلى ذلك.

