الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲)
5أمّا من ناحية عالم الكثرة، فهذه الصفات تُؤثّر حتمًا في الذات. لا تعتبروا هذه القضيّة مسألة منفصلة عن مسألة الصفات. عندما نقول إنّ الذات يجب أن تنتقل في هذه المراتب، وتكون لها حركة بهذا الشكل، فكيف حينها لا تُؤثّر مسألة الصفات في الذات؟! إذا لم تُؤثّر، فلا يُمكن للذات أن تتغيّر. أي: إنّ ما تملكه الذات في نفسها، تملكه في مقام الإجمال والبساطة وعدم النضج، لا في مقام التفصيل. أمّا في مقام الإثبات، فيجب أن تأتي صفة، وتُخرج ما في باطن هذه الذات من حالة الكمون؛ أمّا إذا لم توجد صفة، فلن يخرج ذلك.
التلميذ: الصفة موجودة؛ لأنّها معلولة للذات، وتُبرز هذه الذات.
الأستاذ: نعم، ولكنّ ذلك له ارتباط بالمسائل الخارجيّة. لا يُمكن للإنسان أن يفصل نفسه عن المسائل الخارجيّة؛ فمثلاً، عندما تجلسون مع إنسانٍ ما، ويُؤثّر فيكم؛ هل يُمكنكم إنكار ذلك؟!
التلميذ: ما يُؤثّر فيّ إذا كان ملائمًا لما هو في ذاتي وفي كموني، فلا يُمكن إنكار تأثيره؛ أمّا إذا لم يكن ملائمًا لذاتي، فلن يترك تأثيره فيّ.
الأستاذ: سيترك تأثيرًا في النهاية؛ إلاّ إذا انضمّت عوامل ـ سواء قبل ذلك أو بعده ـ واجتمعت، لكي تمنع ذلك التأثير أو لتزيد منه. لا يُمكنكم القول إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما كان يتحدّث مع الناس، لم يكن يُؤثّر فيهم، بل كان يُؤثّر حتى في عُمَر؛ غاية الأمر أنّه هو نفسه عندما كان يخرج، كان يُفسد الأمر ويُخرّبه! أليس لدينا في سيرة عمر أنّه في قضيّة السيدة الزهراء عندما جاءت عليها السلام خلف الباب، ضرب هذا الباب عليها... عندما فهم، وشعر بأنّها عليها السلام قد أُصيبت هكذا، حدثت فيه حالة رقّة، وأراد الامتناع عن الضرب، ثمّ قال: «تذكّرت تلك الأحقاد وكبار العرب الذين قتلهم عليّ! وعندما تذكّرت ذلك، دفعت الباب!».۱ إذن، فقد كان مؤثّرًا فيه أيضًا؛ لأنّه ليس خشبة! إذا كان خشبة وحجرًا، فلا عقاب عليه حينئذ؛ ولكن، كلاّ! هذه الحالة نفسها، وهي أنّ ابنة النبيّ المعصومة والبريئة قد جاءت الآن خلف الباب، وأنت لديك حرب مع عليّ، وليس لديك حرب مع امرأة، فلماذا تفعل هذا؟ إذا كنت تريد، فاذهب إلى عليّ، واحمل السيف، واقتله، وافعل ما يحلو لك! لكنّها امرأة في البيت، ولا ذنب لها، وأنت بنفسك تقبل هذا أيضًا؛ ولكنّك مع ذلك، تفعل ذلك! أليس هذا غير أنّك عالمٌ بهذه القضيّة، وشاعر بها، ونفسُك تمتلك هذه الصفة؟! الآن، بعد أن ارتكب عمر ذلك الفعل، ارتدّت نفسُه؛ أي: خُتم عليها. ولكن، قبل ذلك، لم يكن الأمر هكذا!
- بحار الأنوار، ج ٣۰، ص ٢٩٣.

