الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲)
4الأستاذ: الذات تمتلك طابعًا استعداديًّا محضًا لا يُمكننا فصله عن المسائل الخارجيّة. تصوّروا طفلاً؛ عندما تنظرون وتَرَون أنّ هذا الطفل ينمو في بيئة مناسبة جدًّا، تجدونه يمتلك نفسيّة معيّنة؛ ولكن، افترضوا أنّه نما في بيئة غير مناسبة، فإنّه حينئذ سيمتلك نفسيّة أخرى.
بشكل عامّ، مقام الروح ومقام الذات هو مقام الاستعداد. فِعليَّةُ الذاتِ عبارة عن تلك الواردات التي تَرِد عليها وتكتسب [بواسطتها] الفعليّة. أنتم بأنفسكم ترون أنّكم عندما تذهبون إلى مجلسٍ ما، تُصبحون روحانيّين؛ ولكن، تذهبون إليه مجلس آخر، فتتكدّرون فيه. وحينئذ، إذا استمررتم في هذه القضيّة، ولم تهتمّوا لنداء وجدانكم ولذلك الزجر الذي يُوجّهه لكم الوجدانُ باجتناب هذه المجالس، ترون بعد مدّة أنّكم لا تملكون ميلاً للعبادة بتاتًا، ولا ميلاً لمجالس الدعاء والذكر، فتزول كلّ هذه الأمور بشكل عام؛ ولكن، إذا انتبهتم، وانتقلتم إلى هذا الجانب من القضيّة، تنعكس المسألة كليًّا.
[ذات الإنسان وروحه تكون في مقام الاستعداد المحض، ثمّ تصل إلى مقام الملكة،] وبعد الملكة، تصل إلى مقام الفعليّة؛ وبعد ذلك، تصل إلى مقام [العقل] المستفاد. يأتي عاملٌ، ويُوصل هذه الحالة الاستعداديّة إلى الفعليّة؛ أي إنّ هذا الإنسان يكون الآن في مقام الإمكان الاستعداديّ أو الإمكان الذاتيّ، ثمّ إذا أرجعته عوامل إلى هذه الكفّة من الميزان، ينقلب إليها؛ وإذا وُجدت فيه عوامل للكفّة الأخرى من الميزان، ينقلب إلى هذه الكفّة الأخرى. هذه الأمور تحصل بسبب التغيّرات التي تحدث في نفس الإنسان عن طريق مجموعة من العوامل.
بالطبع، لا يتنافى هذا مع مسألة أنّ ما يكتسبه الإنسان هو منه نفسه. وهذه مسألة دقيقة جدًّا سنصل إليها إن شاء الله تعالى في مباحث النفس؛ وهي أنّ ما نكتسبه عبارة عمّا كنّا نملكه وكان موجودًا في النفس، لا أنّه خارج عن ذاتنا، ويصل إلينا لاحقًا. بعبارة أخرى: المسائل التي تحدث للإنسان في هذه الدنيا لها حكم كشف حقيقة واقعة، ولا يكون لها حكم وضع حقيقة واقعة وإيجادها.
كلّ هذه الكشوفات هي مقام إثباتٍ يكشف عن ثبوتٍ يُمثّل الكيفيّة التي كانت عليها هذه النفس في الوهلة الأولى وفي الأزل. يتحرّك الإنسان وفقًا لتلك الكيفيّة، ويعمل، ويتقدّم، إلى أن يصل إلى ذلك المبدأ وتلك المراحل التي كان موجودًا فيها، ولكنّه كان غافلاً عنها، ولم يكن عالمًا بذلك العلم؛ أي: في الواقع، حصل له الآن علم بالعلم، فيُشاهد نفسه، ويرى أنّه كان هكذا.

