الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲)
16الفناء له مراتب؛ وبمقدار ما يفهم الإنسان ويحدث له تغيّر ذاتيّ، يفنى؛ لا بمقدار الكمال والفناء الكامل. أي: كما ضربت مثالاً على ذلك، فإنّ ذات الإنسان تتغيّر شيئًا فشيئًا، ولكنّ ظهورها في الأفعال يكون كثيرًا؛ ولهذا، تحصل له العديد من الشبهات. وهذه المسألة نفسها تُؤدّي إلى أن يرى الإنسان بعض حالاته وأفعاله، ويتصوّر أنّه فانٍ؛ في حين أنّ الأمر لا يكون بهذا النحو.
بالطبع، في مقام الذات، لا يُدرك الإنسان شيئًا بتاتًا، إلاّ إذا سار من الحقّ في الحقّ؛ أي: بعد أن يصل إلى فناء الذات؛ حينها، يُمكنه السير في أسماء الله تعالى الجماليّة والجلاليّة، ورؤية خصوصيّاتها ونهايتها، والشعور بأنّ الفناء الذاتيّ قد حصل له الآن؛ أي إنّ حالة الفناء تلك تجلب له علمًا بالعلم، فيلتفت بنفسه؛ لكن، عند الرجوع، لا في وقت الفناء.
التلميذ: معظم الناس يرون كلّ شيء ـ بناءً على إدراكهم وفطرتهم ـ من الله تعالى؛ فمثلاً، كثيرون هم الذين يرون المطر من الله، ويرون الرزق من الله، ويرون التغيّر والتحوّل وهذه المسائل الموجودة من الله. هل هذا الإدراك مبنيّ على نفس ذلك الإدراك للوحدة في الذات؟ أي إنّه توجد وحدة في ذاتهم بشكل لا إراديّ؟
الأستاذ: تكون أنفسهم ذات لطافة خاصّة، فتُدرك هذه الحقيقة بشكل لا إراديّ؛ وهذا هو بروزها. بالطبع، فإنّ شاكلة البعض ـ في الأساس ـ هي بشكل عامّ بهذا النحو؛ وكما يقول السيد الحدّاد: «هم سالكون من دون أن يطووا الطريق!»؛ أي أنّ ذلك راجع إلى طهارتهم والصفاء الذي تمتلكه شاكلتهم؛ ولكنّهم لا يُدركون تلك الحقيقة كما ينبغي، وينزعجون في بعض الموارد، فيتّضح أنّ ذلك كان بشكل إجماليّ فقط، وفي مرحلة منخفضة.
اللهمّ صلّ على محمد وآل محمّد

