الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲)
11أنا أقوم بإرادة للضرب، وأنتم تقومون بإرادة للضحك؛ فكيف تصبح هاتان الإرادتان واحدة؟ هذه الإرادة قهريّة [وجلاليّة]، وتلك الإرادة جماليّة؛ فكيف يُصبح الجمال والجلال واحدًا هنا؟
يرى [السالك] أنّ كلتا هاتين الإرادتين المختلفتين يجب أن تكونا مُنبثقتين من ذوات تربطها وحدة وثيقة. نحن نطرح الآن هذه المسألة في عالم الفكر والتعقّل، بينما ذلك السالك يُشاهد ـ في عالم نفسه وقلبه ـ أنّ ذلك الارتباط الوثيق الذي تملكه هذه الذوات ببعضها يُؤدّي إلى ظهور هذه في الجلال، وتلك في الجمال؛ ولكن في الواقع، مردُّ الجمال والجلال كلاهما إلى إرادة واحدة وحقيقة فريدة.۱ وهذا المقام أقوى من التوحيد الأفعاليّ، حيث يرى [السالك] الإرادات واحدة واقعًا؛ ولكن، في الوقت الذي يرى فيه الإرادات واحدة حقيقةً، لا يرى ـ مع وحدة الإرادة ـ الذاتَ واحدةً بعدُ، بل يراها قريبةً من الوحدة.
على سبيل المثال، افترضوا أنّ هناك رفيقين، جاء أحدهما من الغرب والآخر من الشرق. عندما يلتقي هذان الرفيقان في البداية، يُسلّمان على بعضهما؛ هذا يقول: سلام عليكم! وذاك يقول: سلام عليكم! بماذا تحكمون عليهما؟ تقولون: إنسانان غريبان التقيا، وليس بينهما أيّ ارتباط. حسنًا؛ بعد مرور مدّة، لا ترونهما، لكنّكم تنظرون إلى أفعالهما، وترون أنّ أفعالهما تُشبه بعضها. على سبيل المثال، هذا يذهبُ إلى الدكّانِ فيشتري تفاحًا، وذاك أيضًا يذهبُ فيشتري تفاحًا؛ أو هذا يشتري خبزَ السَّنگک،٢ بينما ذاك الذي لم يكن يأكلُ إلا خبزَ التفتون،٣ تراهُ الآن يأكلُ خبزَ السَّنگک؛ أو هذا يُعجبه البرتقال، وذاك الذي كان يُعجبه البطّيخ، ترون أنّه الآن يُعجبه البرتقال. تقولون: هذان اللذان كانا يختلفان عن بعضهما، ماذا حلّ بهما الآن لتصبح جميع أفعالهما واحدة؟! هذا كان يلبس خفًّا بدل الحذاء، ولكنّ الآخر كان يقول: ما هو الخفّ أصلاً؟! لم يكن يخرج من بيته أبدًا ما لم يكن حذاؤه مكويًّا وملمّعًا وكذا وكذا! ولكن، ترون الآن أنّه هو أيضًا يلبس خفًّا! يجب أن تكون هذه القضيّة قد نشأت بواسطة وجود ارتباطٍ بينهما؛ أي: يجب أن يكون هذا التشابه وهذه الوحدة في الأفعال خاضعين لحساب. هل نقول هذا أم لا؟ نحن لم نرَ رفقتهما، بل رأينا الأفعال فقط، ولم نرَ أبدًا هذين الاثنين يمشيان معًا؛ بل هذا جالس في مكان وننظر إليه، وذاك أيضًا ننظر إليه دون أن يكون له ارتباط بهذا أبدًا، ونرى الفعل فقط. ندخل في حياة هذا، فنرى أنّ حياته مثل حياة ذاك؛ هذا مثلاً علّق اللوحة الكذائيّة على الجدار، وذاك علّق اللوحة نفسها على الجدار. نقول: «يا للعجب! في الأساس، كلّ أفعالهما واحدة؛ إذن، يجب أن يكون هناك ارتباط بينهما، ويجب أن يكونا قد أصبحا حميمين معًا لتصدر هذه الأمور من تلك الحميميّة». حسنًا، الآن هذه الحميميّة إلى هذا الحدّ.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: تفسير آية النور، المجلس العاشر.
- خبز إيرانيّ يُخبزّ في تنّور تحتوي أرضيّته عادة على حصى صغيرة؛ ولهذا، يُترجم إلى العربيّة إلى عبارة: الخبز الحجريّ. المترجم
- خبز إيرانيّ رقيق يُخبز في التنوّر ويتميّز بانتفاخ أطرفه. المترجم

