الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۲)
10هذا التشكيك في الوجود الذي يحصل الآن لهذا السالك ـ الذي يُشاهد الوجود الضعيف دون أن يُشاهد الوجود القويّ ـ هو بسبب أنّ نفسه قد تبدّلت، وحصل مقدار ضعيف من الوحدة في ذاته؛ غاية الأمر أنّه هو نفسه لا يُدرك هذه الوحدة التي يراها الآن؛ مثل الناس الذين حدث تغيّر في العصب المركزيّ لشبكيّة عينهم، بحيث لم يعودوا يُميّزون الألوان.
حصول مراتب التوحيد في مقام الإثبات بواسطة فناء الذات في مقام الثبوت
التلميذ: ألا يكون عدم فهمه وإدراكه دليلاً على أنّ ذلك التغيّر في عالم الثبوت، لا في عالم الإثبات؟
الأستاذ: التغيّر كان في عالم الثبوت، فتغيّر عالم إثباته أيضًا؛ غاية الأمر أنّه في عالم الإثبات، لا يكون شاعرًا بنفسه، ولا يكون لديه إشراف على ذاته، بل يُشاهد ذاته فقط في مرتبة المحسوسات أو المعقولات. في عالم الإثبات، يكون الفعل أسهل منالاً نسبةً للذات؛ وبعد الفعل، تكون الصفات أسهل منالاً؛ وبعد الصفات، تكون الأسماء أسهل منالاً؛ وبعد الأسماء، تأتي الذات التي ليست في المتناول بتاتًا. أي: بما أنّ الأفكار والحواسّ وعالم القلب وما إلى ذلك يرتبط بالمرتبة المعلوليّة ومرتبة متناسبة مع [السالك]، لا بالمرتبة الأشدّ؛ لذلك، فإنّ ما هو أكثر ملاءمة لذهنه في الوهلة الأولى ينجلي له، ولكنّه لا يشاهد تلك المرتبة الأقوى.
ولهذا، يجب أن يُقال للذي يُشاهد التوحيد الأفعاليّ: يا عزيزي، إنّك ترى التوحيد الأفعاليّ هكذا، لأنّ ذاتك قد تغيّرت؛ وليس أنّ ذاتك لم تتحرّك من مكانها أبدًا، وهي جالسة في مكانها بدقّة، وفي الوقت نفسه أنت ترى التوحيد الأفعاليّ في مقام الأفعال! عندما يُشاهد الإنسان التوحيد الأفعاليّ، فإنّه يُدرك التوحيد الذاتيّ أيضًا، شاء أم أبى، ومن حيث لا يشعر؛ غاية الأمر أنّه يُدركه في مرتبة ضعيفة، ويشعر بأنّ ذوات [هذه الأفعال] يجب أن يكون لها ربط ببعضها أيضًا. فشعوره بأنّه يجب أن يكون لها ربط ببعضها، هو بسبب ذلك المقدار الذي تغيّرت فيه ذاته؛ غاية الأمر أنّ هذا التغيّر في الذات يُظهر التوحيد الأفعاليّ.
وحدة الذات تمتلك أرضيّة واسعة جدًّا، ومرحلة العلّية هي مرحلة لطيفة وظريفة ودقيقة جدًّا أيضًا؛ وبالتالي، لا يُمكن [للسالك] إدراكها واقعًا كما ينبغي؛ ولهذا، فإنّه يصل بعدها إلى التوحيد الصفاتيّ والأسمائيّ؛ أي يتوصّل إلى أنّ جميع الصفات وجميع الإرادات واحدة.

