الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۱)
9قرأت في كتاب مذكّرات الشاه أنّه: لم يتمكّن الشاه وعائلته ومرافقوهم ـ الذين كانوا معهم وكانوا يُسافرون جميعًا ـ من العثور على محلّ للإقامة، حيث كانوا يتقاذفونهم هكذا من هذا البلد إلى ذاك البلد، ومن ذلك البلد إلى بلدٍ آخر؛ لأنّ تلك البلدان كانت تخاف من إيران ومن ردّة فعلها ومكانتها العالميّة. وباختصار، أصبح هؤلاء بائسين جدًّا.
يقول في إحدى مذكّراته: «لم يكونوا يأخذوننا حتّى إلى داخل المدينة! في إحدى المرّات، أخذونا إلى قاعدةٍ عسكريّةٍ؛ وهناك، أعطونا مكانًا بجوار زنزانة المجانين، وبقينا هناك لعدّة ساعاتٍ، إلى أن نُقلنا من هناك. أساسًا، لو بقينا بضع ساعاتٍ أخرى، لمُتنا جميعًا من الغمّ!»؛۱ أي إنّ المجانين كانوا يقومون بحركاتٍ بوجههم أمامهم، ويُسلّونهم!
كان قد أورد فوائد جيّدةً في ذلك الكتاب، وكانت هذه إحدى تلك الفوائد. وينقل في مكانٍ آخر:
في إحدى المرّات، عندما كان الشاه وعائلته معًا في إحدى الجزر، كان جالسًا في غرفةٍ؛ وفجأةً، بدأ ابنه رضا ـ الذي كان وليًّا للعهد ـ بالمزاح، وقال: «اذهب يا سيّدي إلى حال سبيلك، الله أيضًا مجرّد نكتةٍ ومزحة!»، فقال له والده فجأةً: «امزح مع مَن تشاء، ولكن لا تمزح مع الله! ألم ترَ ما حلّ بنا! هل تفهم؟! لا يُمكن المزاح مع الله!».٢
وخلاصة القول، فإنّ هؤلاء كانوا قد أصبحوا مُؤمنين قليلاً، أي إنّهم أدركوا أنّ تلك العظمة والأبّهة وتلك المظاهر والإقبال والإدبار المصطنعين و ... كلّها بقدرة الله! أيّها المسكين، انزل للأسفل! ففجأةً، وفي ليلةٍ واحدةٍ وفي ساعةٍ واحدةٍ، طُويت صحيفة تلك القصور والمظاهر والبهرجات الكذائيّة وأمثال ذلك، وانتُزعت جذورها! هذا كلّه عبارة عن قدرة الله! يُريد الله أن يُظهر أنّ جميع السلطنات والحكومات هي له؛ يُعطيها اليوم لأحدهم، ويُعطيها غدًا لشخصٍ آخر.
وبحقّ، كم يكون العارف مرتاحًا! وكم يشعر بالراحة تجاه الأمور! لأنّه يرى أنّ حقيقة الأمر وحقيقة الواقع بيدٍ واحدةٍ فقط، وكلّ هذه الاعتباريّات والرئاسات والمقامات والأمور الحسّية هي مسائل اعتباريّةٌ.
أمّا البقيّة، فأحدهم يُعدّل ربطة عنقه، وآخر يُرتّب عمامته! أحدهم يحلق لحيته تمامًا بشكلٍ جميلٍ، وآخر يُرخي لحيةً أنيقةً جدًّا ومُصفّفةً، ويدهنها بأشياء لتُصبح بالنحو الكذائيّ! أحدهم يلبس حذاءً مُلمّعًا ومكويًّا، وآخر يلبس نعلين أصفرين وبرّاقين هكذا يلمعان من بُعد كيلومترٍ واحد! أحدهم يُمسك عصا تأديبٍ بيده، وآخر يُمسك عصًا ممتازةً جدًّا بيده! أحدهم لباسه بهذا الشكل، وآخر يضع عباءة "خاجيّةً" أصليّةً؛ وهي المعروفة والمتداولة بين العلماء والمشايخ، وتكون هذه العباءة لطيفةً وممتازةً جدًّا بحيث إنّها ـ كما يقول أهل النجف ـ تمرّ من ثقب الخاتم! هؤلاء لا يختلفون عن بعضهم البعض، وماهيّة الجميع واحدةٌ، ولا تفاوت بينهم:
- راجع: الرحلة الأخيرة للشاه (فارسيّ)، ص ٣۸۱.
- راجع: بعد الانهيار (فارسيّ)، ص ۱۷٢.

