الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۱)
8وباختصار، فإنّ القضيّة هي: مَن يقول إنّنا نملك علمًا؟! أبدًا! سيأخذونه منّا بطريقةٍ، بحيث لا نعود قادرين على تمييز أيّ شيءٍ! أقول لكم ذلك حقًّا؛ فهذا هو الواقع المحض، ولا شكّ في هذا أبدًا. أُقسم بالله الذي لا شريك له، حتّى لو كان هناك شكٌّ في وجودي، فإنّني أعتقد أنّه لا يوجد أيّ شكٍّ في هذه القضيّة؛ وهي أنّنا مجرّد مرآةٍ في جميع العلوم التي نملكها! إذا رأيتم ما يُخالف هذه المسألة، ولو بمقدار رأس إبرةٍ، فأوقفوني يوم القيامة، وقولوا: «أيّها السيّد، لقد كذبت علينا!»؛ فأنا أتكلّم بكلّ هذا الحزم!
أجل، سينتبه الإنسان إلى ذلك بعد الموت: ﴿فَبَصَرُكَ ٱليَومَ حَدِيدٌ﴾؛۱ أي إنّه سيرى هناك أنّ علمه هو مرآة لله تعالى. بالطبع، ليس العلم فحسب، بل الصفات الأخرى كذلك، حتّى الحياة كذلك. فالحياة هي ملازمة [للإنسان]؛ إذ كيف يُمكن أن يملك شخصٌ حياةً، ولكن يطرأ عليه الموت في الوقت نفسه؟! نحن نعدّ الموت عبارة عن تبديل للباس، وانتقالاً من نشأةٍ إلى نشأةٍ أخرى؛ فإذن، الحياة باقيةٌ في مكانها؛ أي أنّ الحياة باقيةٌ ببقاء النفس، أو النفس باقيةٌ ببقاء الحياة؛ وكلاهما ملازمان لبعضهما البعض، ولهما تعلّقٌ ذاتيٌّ ببعضهما البعض. فيُدرك الإنسان عند الموت أنّ كلّ ما كان ينسبه إلى نفسه في هذه الدنيا متعلّقٌ بالمبدأ وواجب الوجود. أي إنّه في الوقت الذي يكون فيه العلم والحياة والقدرة وجميع هذه الصفات معه، فإنّه يفهم هذا المعنى، وينكشف له أنّه خواءٌ محضٌ، ولا يُساوي مقدار قشّةٍ، ويتّضح له معنى أنّه ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ ٱليَومَۖ لِلَّهِ ٱلوَٰحِدِ ٱلقَهَّارِ﴾؛٢ أي إنّ المُلك والسلطنة يختصّان بذات الله تعالى؛ سواء السلطنة على النفوس، أو السلطنة على الأعراض، أو السلطنة على الصفات، أو السلطنة على الكيفيّات، أو السلطنة على الكمّيات، أو السلطنة على العوارض، أو السلطنة على الذوات. فالسيطرة الواقعيّة والولاية الواقعيّة في جميع هذه السلطنات مُختصّةٌ بذاته تعالى. فيتّضح هذا المعنى للإنسان في نشأة الانتقال أنّ ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ ٱليَومَۖ لِلَّهِ ٱلوَٰحِدِ ٱلقَهَّارِ﴾. بالطبع، تتّضح هذه المسألة وتتبيّن القضايا لكلّ شخصٍ في هذه الدنيا أيضًا إلى حدٍّ ما.
- سورة ق، الآية ٢٢.
- سورة غافر، الآية ۱٦.

