الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل (۱)
2بسم الله الرّحمٰن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على خيرة الله المُنتجبين محمّدٍ وآله الطّاهرين
واللّعنة على أعدائهم أجمعين
تقسيم مراحل الحركة التكامليّة للإنسان إلى أربعة أسفارٍ
الأسفار الأربعة
واعلم أنّ للسلاّك من العرفاء والأولياء أسفارًا أربعةً:
أحدُها السفرُ من الخلق إلى الحقّ؛
وثانيها السفرُ بالحقّ في الحقّ؛
والسفرُ الثالث يُقابل الأوّلَ، لأنّه من الحقّ إلى الخلق بالحقّ؛
والرابعُ يُقابل الثاني من وجهٍ، لأنّه بالحقّ في الخلق.
فرتّبتُ كتابي هذا طبقَ حركاتِهم في الأنوار والآثار على أربعة أسفارٍ، وسمّيته بالحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة. فها أنا أفيض في المقصود مستعينًا بالحقّ المعبود الصمد الموجود.
السفرُ الأوّل: وهو الذي من الخلق إلى الحقّ في النظر إلى طبيعة الوجود وعوارضه الذاتيّة.
وفيه مسالك.۱
لقد تصوّر الأعاظم والأولياء وجودَ أربع مراحل للحركة التكامليّة للإنسان، وصوّروا هذه المراحل:٢
نزول جميع الموجودات من حاقّ ذات الوجود البسيط
المرحلة الأولى:
فبسبب أنّ الإنسان يُريد أن يظهر بواسطة قوس النزول من حقيقة الوجود ـ التي هي حقيقةٌ منبسطةٌ وبسيطةٌ وبلا رسمٍ ولا أثرٍ ولا تعيُّنٍ ولا تقيُّدٍ ـ في تعيُّنٍ ما، فإنّهم يُطلقون على حركته هذه اسم «قوس النزول». إنّنا مهما نظرنا إلى أيّ شيءٍ، ليس إلى الإنسان فحسب، بل لو توجّهنا إلى أيّ واحدٍ من الموجودات، لرأينا قوس نزولٍ فيها جميعًا. بالطبع، يقول البعض: «هذه المسألة تتعلّق بالإنسان والطبيعة النوعيّة للإنسان»؛٣ ولكن، يُمكننا أن نُوسّع ذلك، ونُعمّمه على جميع الموجودات. فكلّ موجودٍ قابلٍ للإشارة ـ سواءً كانت إشارةً حسّيةً أم عقليّةً ـ قد تشكّل وتبلور ـ من حيث التعيُّن والتقيُّد والصورة التي اتّخذها ـ من حاقّ ذات الوجود البسيط ـ الذي هو عين وجود حقيقة الحقائق ـ، فصار قابلاً للإشارة الحسّية [أو العقليّة]. وإذا كان هذا الموجود في نطاق الكائنات، أي عالَم الكون والفساد وعالَم المادّة، فإنّنا نُطلق على حركته ودورانه اسم قوس النزول.
بيان مقام الهوهويّة في قبال سائر المراتب
أمّا في مقام الهوهويّة وفي تلك الحضرة التي لا حدّ فيها ولا رسم، فلا معنى لوجود أيّ تعيُّنٍ أو تقيُّدٍ؛ فهو مقام لا يقبل الإشارة أبدًا، ولا يصحّ عدُّه مرتبةً، ولا يُمكننا أن نُطلق عليه اسم مرتبةٍ في قبال سائر المراتب. افترضوا أنّ العدد اثنين هو مرتبةٌ فوق العدد واحدٍ، والعدد ثمانية مرتبةٌ فوق العدد سبعةٍ، ومرتبة الطابق الثاني هي مرتبةٌ فوق الطابق الأوّل، وهلمّ جرًّا. ولكن على سبيل المثال، هل يُمكننا أن نقول إنّ الموادّ التي استُعملت في هذا البناء بعينها هي مرتبةٌ أعلى من مرتبةٍ أخرى؟ كلاّ؛ فهذه الموادّ ليست قابلةً لأن تكون ذات مرتبةٍ؛ لأنّها موجودةٌ في الطابق الأوّل وفي الطابق الثاني معًا. نعم، الموادّ نفسها في حدّ ذاتها، وبواسطة تراكمها فوق بعضها، تُصبح مرتبتها أعلى من المرتبة التي تليها. ولكن، عندما ننظر إلى الموادّ نفسها، نرى أنّه من هذه الموادّ، يتكوّنُ الطابق الأوّل والطابق الثاني والطابق الثالث والطابق الرابع؛ إذن، لا يُمكننا بعد ذلك إطلاق اسم الطابق على الموادّ نفسها، بل نُطلق الطابق على نفس الطابق وعلى مرتبة ذلك الطابق.
- الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ۱٣ ـ ٢۰.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة المعاد، ج ۸، ص ٤٤؛ رسالة السير والسلوك المنسوبة لبحر العلوم، ص ۱۷٣، الهامش؛ مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٥، ص ٢۱۷ ـ ٢٢٢.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: تمهيد القواعد، ابن تركة، ص ۱۸۰ ـ ۱۸٥.

