
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
9وخلافًا لما يقوله الفلاسفة، فإنّ الهوهويّة ليست مرتبة في الأساس؛ بل هي مرتبة تُمثّل باطن كلّ هذه المراتب، لا أنّها مرتبة فوقها؛ لأنّها لو كانت فوقها، لأمكنت الإشارة إليها. ومن هنا، فإنّ أنوار الأحديّة وظهوراتها تكون في مرتبة الواحديّة؛ أي أنّ الأحديّة تظهر وتتجلّى في مرحلة الواحديّة، والواحد لا يتنافى مع مسألة التشكيك في الوجود، ولا يلزم منه إشكال؛ اللهمّ إلاّ إذا أشكلنا على أصل التشكيك في الوجود، أو ناقشنا ـ على نحو ما يقول هؤلاء من أنّ الأحديّة هي أيضًا مرتبة ـ وقلنا: إنّ التشكيك في الوجود لا ينسجم مع مسألة الأحديّة.
ضرورة المجاهدات النفسيّة والعقليّة للوصول إلى الحقيقة
فاستروح العقلُ من أنوار الحقّ بكرة وعشيًّا، وقرُب بها منه وخلُص إليه نجيًّا؛ فركى بظاهر جوارحه، فإذا هو ماء ثجّاج، وزوى بباطن تعقّلاته للطالبين فإذا هو بحر موّاج أودية الفهوم سالت من فيضه بقدرها،۱ وجداول العقول فاضت من رشحه بنهرها؛ فأبرزت الأوادي على سواحل الأسماع جواهر ثاقبة ودررًا، وأنبتت الجداول على الشواطئ زواهر ناضرة وثمرًا.
أي: فاستراح العقل بأنوار الحقّ تعالى التي [كانت تُشرق عليه] صباحًا ومساءً، وبها تقرّب إلى الحقّ، وخلُص عن غيره، وناجاه؛ فشرع بجوارحه الظاهرة يفحص الأرض ويحفرها ليستخرج ماءً، حتّى انتهى إلى ماءٍ فوّارٍ، وشرع بباطن تعقّلاته يجمع المسائل للطالبين، حتّى وصل إلى بحرٍ موّاجٍ (أي أصبح عملُنا في الظاهر والباطن متوافقًا مع الوصول إلى الحقائق).
وانتفعت أودية الأفهام من فيض الحقّ بمقدار سعتها وقابليّتها، وجرت أنهارٌ من رشحة الحقّ التي أشرقت على العقل في جداول العقول، فأبدت هذه الأودية على شواطئ الأسماع جواهر زاهرةً ولآلئ، وعرضت هذه الجداول في حافّات الحكمة ومشاربها أزهارًا ناضرةً وثمارًا.
وحيث كان من دأب الرحمة الإلهيّة وشريعة العناية الربانيّة ألاّ يُهمل أمرًا ضروريًّا يحتاج إليه الأشخاص بحسب الاستعداد، ولا يبخل بشيء نافع في مصالح العباد، فاقتضت رحمته ألاّ يختفي في البطون والاستتار٢ هذه المعاني المنكشفة لي من مفيض عالم الأسرار، ولا يبقى في الكتمان والاحتجاب الأنوار الفائضة عليّ من نور الأنوار؛ فألهمني الله الإفاضة ممّا شربنا جرعة للعطاش الطالبين، والإلاحة ممّا وجدنا لمعة لقلوب السالكين، ليحيى من شرب منه جرعة ويتنوّر قلب من وجد منه لُعمة.
- إشارة إلى سورة الرعد، الآية ۱۷:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. - خ ل: الأستار.
- إشارة إلى سورة الرعد، الآية ۱۷:
