
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
7قد تحدث هذه المسألة لأيّ إنسان؛ وذلك بأن تخطر في ذهنه مسألة، ويوقن أنّها حقّ، لكنّها لا تحظى بأيّ اهتمام! وترى حينها أنّه لا فرق بين الكبير والصغير؛ فالشيوخ ذوو الخمسين والستّين عامًا جميعهم غارقون في الخرافات والإحساسات الخالية من المنطق! ولا يختصّ هذا الأمر بغير المطّلعين، بل ترى إنسانًا يمتلك العلم أيضًا، لكنّ علمه لم يتمكّن من فتح طريق الحقيقة له؛ فبقي في دائرة النفسانيّات والمدركات النفسيّة الممزوجة بالإحساسات! وتتفاوت الإحساسات بالطبع؛ فتارة، يتجاوز الإنسان بعض المسائل، لكنّه يظلّ عالقًا في مسائل أخرى. باختصار، يجب أن يكون الإنسان في غاية الحذر.
إشراق الأنوار الإلهيّة على قلب الملاّ صدرا
فلمّا بقيت على هذا الحال من الاستتار والانزواء والخمول والاعتزال زمانًا مديدًا وأمدًا بعيدًا، اشتعلت نفسي لطول المجاهدات اشتعالاً نوريًّا.
ولهذا، تأوّل وفسّر البعض الآية المتعلّقة بنبيّ الله موسى عليه السلام: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾۱ بأنّ المراد بها هي تلك النار التي اشتعلت في قلب موسى عليه السلام.٢
والتهب قلبي لكثرة الرياضات التهابًا قويًّا؛ ففاضت عليها أنوار الملكوت، وحلّت بها خبايا (وأستار وحُجب) الجبروت، ولحقتها الأضواء الأحديّة، وتداركتها الألطاف الإلهيّة؛
فاطّلعت على أسرار لم أكن أطّلع عليها إلى الآن، وانكشفت لي رموز لم تكن منكشفة هذا الانكشاف من البرهان؛ بل كلّ ما علمته من قبل بالبرهان، عاينته مع زوائد بالشهود والعيان، من الأسرار الإلهيّة والحقائق الربانيّة والودائع اللاهوتيّة والخبايا الصمدانيّة.
وهذا دليل على أنّ البرهان دائمًا مُؤيّد؛ لأنّه لا يقول: «إنّني رأيت أنّها باطلة»، بل يقول: «عاينتها مع مسائل زائدة بالشهود والعيان!»
سعة العلم الإلهيّ ومحدوديّة الإدراك البشريّ
ولا يخفى أنّ فهمَ الملاّ صدرا هو بمقداره هو، ولم يعطوه حينها سوى كأس واحد، لكنّه سكر إلى هذا الحدّ، فتحدّث بهذه المسائل! لأنّه في كلّ مرحلة يوجد شهود، حيث يبدأ ذلك بالشهود المثاليّ ثمّ مراتب الشهود الأخرى؛ وقد تجلّت له معانٍ وتجلّيات كثيرة في المثال، وحتّى أعلى من المثال؛ غاية الأمر أنّها لم تكن بتلك الشدّة، بل كانت ـ مثلاً ـ جزءًا من المليون، لكنّ هذا المقدار نفسه كثير جدًّا!
- سورة طه، الآية ۱۰.
- مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق، ج ٤، ص ٩٤؛ عرائس البيان، روزبهان البقليّ، ج ١، ص ٢٨٧؛ مجموعة رسائل ابن عربي، كتاب الإسفار عن نتايج الأسفار، ص ٥٤.
