
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
5ومن أين يحصل للإنسان ـ مع هذه المكاره التي يسمع ويرى من أهل الزمان ويُشاهد ممّا يكبّ عليه الناس في هذا الأوان، من قلّة الإنصاف وكثرة الاعتساف (والانحراف)، وخفض الأعالي والأفاضل، ورفع الأداني والأراذل، وظهور الجاهل الشرير والعامّي النكير على صورة العالم النحرير وهيئة الحبر الخبير، إلى غير ذلك من القبائح والمفاسد الفاشية اللازمة والمتعدّية ـ مجالُ المخاطبةِ في المقال، وتقرير الجواب عن السؤال، فضلاً عن حلّ المعضلات وتبيين المشكلات؟! (أي أنّه لا يجد مجالاً مُتاحًا لإيصال هذه المسائل إلى مسامع أهلها).
كما نظّمه بعض إخواني في الفرس:
از سخن پر دُر مکن همچون صدف هر گوش را *** قفلِ گوهر ساز، یاقوت زمرد پوش را در جواب هر سؤالی حاجت گفتار نیست *** چشمِ بینا عذر میخواهد لب خاموش را۱ [يقول: لا تملأ كلّ أذن بالكلمات المليئة بالدرر كالصدف، بل اصنع قفلاً من الجوهر للياقوت المُغطّى بالزمرد
فليست هناك حاجة للكلام في الجواب عن كلّ سؤال، والعين البصيرة تلتمس العذر للشفة الصامتة].
الياقوت هنا هو «اللسان»، والزمرّد عبارة عن خضرة الوجه وشعر اللحية الذي يُغطّي اللسان. وحينئذ، تكون هذه الشفة قفلاً من جوهر يُعبّر عنه بـ «اللعل».٢ يقول: هذه الشفة بمنزلة القفل للسان؛ وعندما تُغلق الشفة، يُحفظ اللسان في مكانه ولا يفعل شيئًا. وعندما ترى العين أنّ الشفة صامتة، تُدرك أنّه يجب إبقاؤها كذلك؛ أي: ألاّ يُقال كلّ شيء لكلّ إنسان.
يجب علينا أن نُدقّق كثيرًا في الكلام وبيان المسائل، وهذا حقًّا أمر في غاية الأهميّة؛ ولكن، يبدو أنّه كان هناك تقصير كبير، حيث كان الإنسان يقول كلّ شيء لأيّ أحد، ممّا أدّى إلى وقوع البعض في الفتنة والمشاكل المزعجة. لا يجب بالضرورة أن يُبيّن الإنسان كلَّ مسألة أو ينقل كلّ قضيّة يراها؛ لأنّها قد تصل إلى أمور حسّاسة جدًّا.
اقتداء الملاّ صدرا بأمير المؤمني في الابتعاد عن أهل الدنيا والتضرّع الباطنيّ لله
فكنت أوّلاً كما قال سيّدي ومولاي ومعتمدي، أوّل الأئمّة والأوصياء وأبو الأئمّة الشهداء الأولياء، قسيم الجنّة والنار، آخذًا بالتقيّة والمداراة٣ مع الأشرار، مُخلاًّ عن مورد الخلافة (ومعتزلاً إيّاها)، قليل الأنصار، مُطلّق الدنيا، مُؤثر الآخرة على الأولى (وبمنأى عن جميع المسائل)، مولى كلّ من كان له رسول الله صلّى الله عليه وآله مولى، وأخوه وابن عمّه ومُساهمه (وشريكه) في طمّه ورمّه (أي في كلّ ما حصل عليه وادُّخر له؛ وحينما آل أمر الخلافة إلى هذا الحال، ووقع بين أيدي الجهّال وعديمي الأهليّة): «طَفِقتُ أرتَئي بينَ أن أصولَ (وأهاجم بقوّة قاهرة) بيَدٍ جَذّاءٍ (ومقطوعة؛ أي: من دون أنصار)، أو أصبرَ على طَخْيَةٍ (وظُلمة) عَمياءَ، يَهرَمُ فيها الكبيرُ ويَشيبُ فيها الصغيرُ ويَكدَحُ فيها مؤمنٌ (ويجاهد) حتّى يلقى ربَّه».٤
- السيّد أبو القاسم القاسميّ الأردستانيّ.
- المعجم المفصل في المعرب والدخيل، ص٤۱۰:
«حجر كريم. من الفارسية: «لال»، وتعني الأحمر، والحجر الكريم». المترجم - خ ل: مداراة.
- نهج البلاغة، ص ٤۸، الخطبة ٣.
