
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
4هذه المسائل هي نتيجة وخلاصة المقدّمة التي ذكرها صدر المتألّهين هنا.
شكوى صدر المتألّهين من اندراس العلم وأسراره
وكيف (لا يكون الأمر كذلك) ورؤساؤهم قومٌ أعزل من سلاح۱ الفضل والسداد، عاريةٌ مناكبهم عن لباس العقل والرشاد (أي لم يرتدوا لباس العقل والرشاد ولم يضعوه فوق أكتافهم)، صدورُهم عن حُليّ الآداب أعطالٌ، ووجوهُهم عن سمات الخير أغفالٌ.
فلمّا رأيت الحال على هذا المنوال من خلوّ الديار عمّن يعرف قدر الأسرار وعلوم الأحرار (وهي العلوم الخالية من طابع التقليد والتي لا يُمكن لأيّ يد أن تُغيّرها، ويُمكن للإنسان أن يتناولها ويتعلّمها بحريّة دون إبداء رأي شخصيّ ودون تقليد وتبعيّة للآخرين)، وأنّه قد اندرس العلمُ وأسرارُه، وانطمس الحقُّ وأنوارُه، وضاعت السيرُ العادلة، وشاعت الآراءُ الباطلة، ولقد أصبح عين ماء الحيوان غائرة، وظلّت تجارة أهلها بائرة، وآبت وجوههم بعد نضارتها باسرة (ومكدّرة وعابسة)، وآلت حال صفقتهم (وتجارتهم ومعاملتهم) خائبة خاسرة، ضربتُ عن أبناء الزمان صفحًا، وطويت عنهم كشحًا.
انعزال الملاّ صدرا عن أهل الدنيا
فألجأني خمود الفطنة (أي تحوّل الذكاء إلى بلادة) وجمود الطبيعة (وفقدانها لنضارتها) لمعاداة الزمان وعدم مساعدة الدوران إلى أن انزويت في بعض نواحي الديار، واستترتُ (واختفيتُ) بالخمول والانكسار ومنقطع الآمال منكسرَ البال، متوفّرًا على فرضٍ أؤدّيه (أي تزكية النفس والمجاهدات والرياضات الشرعيّة والاهتمام بالنفس) وتفريط في جنب الله أسعى في تلافيه، لا على درس ألقيه أو تأليف أتصرّف فيه؛ إذ التصرّف في العلوم والصناعات وإفادة الأبحاث ودفع المعضلات وتبيين المقاصد ورفع المشكلات، ممّا يحتاج إلى تصفية الفكر وتهذيب الخيال عمّا يوجب الملال والاختلال (أو لعلّ مراده: «لم أصل بعد إلى تلك المرحلة من الصفاء») ، واستقامة الأوضاع والأحوال مع فراغ البال.
كيف يُمكن للإنسان مع وجود تشوّش الخاطر واضطراب الذهن أن يُنقّب في تلك المسائل العلميّة أو يُؤلِّف فيها؟! أو كيف يُمكنه أن يُنجز عملاً في ظلّ الفوضى العلميّة والسباب والتكفير؟! أينما ذهب يُشتَم؛ هنا يسبّونه، وهناك يقولون: «مرتدّ، كافر، يقول بوحدة الوجود، نجس!»؛ فهو دائمًا عرضة للتهم والنظرات السيّئة، وربّما يفتعلون له المشاكل! باختصار، لكي يمنعوه، يُحرّضون عليه الأوباش، والأوباش يفعلون كلّ شيء! ولقد كانوا يفعلون ذلك حقًّا!
- خ ل: صلاح.
