
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
3هذه هي خلاصة المسألة.
العلاقة بين الشرع والعرفان والحكمة
كما ذكرتُ سابقًا، لا يوجد أيّ تنافٍ بين الفلسفة والحكمة المتعالية، وبين التمسّك بولاية الأئمّة عليهم السلام والشرع؛ بل هي جميعها في مسار واحد وتُخبر عن حقيقة واحدة.
فالفقه يُعنى بمزاولة جوارح الإنسان وجوانحه للمسائل التي تُساعده في مساره للوصول إلى المطلوب، ورفضُها يُعيقه.
والعرفان هو كشف الحقائق الواقعيّة والنفس الأمريّة وشهودها في عالم النفس والقلب، بحيث يتحوّل الإنسان ويتبدّل إلى تلك الحقائق نفسها؛ وكأنّه يُصبح مجرى ومظهرًا لها.
أمّا الفلسفة والحكمة، فهي بيان تلك المسائل بصورة برهانيّة ويقينيّة وعلميّة.
إذن، ما المشكلة في الفلسفة؟ إنّها جيّدة جدًّا! فهي عين الحقيقة والواقعيّة، ولا نرى أيَّ باطل هنا.
فعندما تُريد رسم تصميم مبنى لمهندس معماريّ، فهناك عدّة طُرق:
تارةً، يأتي المهندس، ويعرض صورة للمبنى على هذا المعماريّ، ويقول له: «ابنِ المبنى طبقًا لهذه الصورة». في هذه الحالة، هل يكون البناء «طبقًا لهذه الصورة» باطلاً؟ كلاّ، إنّها صورة تُعرض، ليُشيّد المبنى على أساسها، ولكي يفهم المعماريّ النموذج الذي سيبني عليه؛ وكأنّ هذه الصورة هي تمثيل لذلك البناء والدار التي ستُبنى.
وتارةً، لا يعرض المهندس صورة، بل يحسب الأرضيّة والبناء وفقًا لقواعد الهندسة، ويُحوّلها إلى أرقام، ويشرح ذلك وفقًا لأصول الهندسة وأصول العمارة.
وتارةً أخرى، يأخذ المهندس بيد المعماريّ، ويأتي به إلى المنزل نفسه، ويقول له: «أريد أن تبني لي المنزل طبقًا لهذا التصميم!».
لا يوجد أيّ فرق بين هذه الحالات، لا أنّه إحداها ترفع الأخرى وتدفعها وتلغيها؛ بل هي عينها، ولا يوجد أيّ تفاوت بين هذه المراحل والمواطن الثلاثة، ولا يُمكن القول: «بما أنّ المعماريّ نفسه ذهب إلى المنزل، وشاهده بعينه عيانًا، فإنّ ذلك التصميم باطل ولغو!»؛ كلاّ، لا يوجد أيّ دليل على البطلان. أو أن نقول: «إذا عرض إنسان صورة للمبنى، فهذا دليل على أنّ الذهاب إلى ذلك المنزل باطل!»؛ كلاّ، هذا أيضًا ليس دليلاً على البطلان. بل كلّ ذلك يقع في مسار واحد؛ فالشرع مؤيّد للعقل، والعقل مؤيّد للشرع، وكلاهما مؤيّد للوجدان والشهود، بل هما مقدّمة للشهود.
