
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
16توسّل الملا صدرا بالأئمّة عليهم السلام لكسب الحكمة
فألقينا زمام أمرنا إليه وإلى رسوله النذير المنذر؛ فكلّ ما بلغنا منه آمنّا به وصدّقناه، ولم نحتل أن نُخيّل له وجهًا عقليًّا ومسلكًا بحثيًّا، بل اقتدينا بهداه وانتهينا بنهيه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؛۱ حتّى فتح الله على قلبنا ما فتح، فأفلح ببركة متابعته وأنجح.
أي: فأسلمنا زمامَ أمرِنا لله تعالى ولرسوله الذي أُرسل للوعد والوعيد والنصح والإنذار، فآمنّا بكلّ ما وصلنا من نبيّه وصدّقناه، ولم نختلق له توجيهًا عقليًّا أو مسلكًا بحثيًّا؛ بل اقتدينا بهداه، وامتنعنا بنهيه من باب إطاعة كلام الله تعالى حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، إلى أن وهبنا اللهُ هذه المسائل التي بيّناها، وحصلنا على هذه الحكمة بواسطة التوسّل بالأئمّة عليهم السلام، والتمسّك بولايتهم؛ فأفلحنا، ونجحنا ببركة متابعته [تعالى] ومتابعة رسوله.
إنّ توجيه كلام أهل البيت عليهم السلام فيه إشكال؛ ولكنّ بيان وجهه لا إشكال فيه، ولا يُعدّ توجيهًا؛ لأنّه في مقام بيان الواقعيّة. فمثلاً، يرى الفيلسوف أنّه: طبقًا للروايات، قد بيّن الإمام عليه السلام المبدأ والمعاد بهذا النحو؛ ولهذا يقول بدوره: «نحن كذلك نبيّن هذه المسائل بالبرهان!»، لا أنّه يُوجّهها؛ لأنّها لا تتوافق مع فكره. أي: ليس الأمر بحيث يُحرّف كلام الأئمّة عليهم السلام، ويؤوّله تأويلاً لا يرضاه صاحبُه. فهو يقول: في الوضع الذي لم يبلغه عقلي، توقّفتُ، وقلت: «إنّ الرواية هي التي تقول الصدق»؛ وحيث لم أصل إلى برهان، لم أُوجّه هناك، ولم أردّ أصلَ الكلام، ولم أُبيّن خلاف مراد المتكلّم.
تهذيب النفس، شرط لازم قبل الورود في الأبحاث الفلسفيّة
فابدأ يا حبيبي، قبل قراءة هذا الكتاب بتزكية نفسك عن هواها، فـ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾،٢ واستحكم أوّلاً أساس المعرفة والحكمة، ثمّ ارق ذراها؛ وإلاّ، كنت ممّن أتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف إذ أتاها.٣
أي: إذن يجب عليك يا حبيبي قبل قراءة هذا الكتاب، أن تشرع في تزكية النفس من الأهواء والنزوات؛ لأنّه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وأحكم في البداية أساس معرفة الحكمة، ثمّ ارق إلى ذروتها ومرتبتها الأخيرة؛ وإلاّ، فستكون من الذين اجتثّ الله بنيانهم من الأساس والجذور؛ وعندما جاء أمر الله، خرّ عليهم السقف من فوقهم!
- سورة الحشر، الآية ۷.
- سورة الشمس، الآيتان ٩ و۱۰.
- مقتبس من سورة النحل، الآية ٢٦: ﴿فَأَتَى ٱللَهُ بُنيَٰنَهُم مِّنَ ٱلقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ ٱلسَّقفُ مِن فَوقِهِم﴾.
