
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
14وما ذلك إلا لترويضِ الخواطرِ وإعدادِها ببيانِ أنّ ثمّةَ مسائلَ أخرى وراءَ ذلك، ولتقويةِ الأذهانِ كي تشتدَّ حِدَّتُها وتصيرَ حديدةً ذكيةً نفّاذة؛ لما تنطوي عليه تلك الطرائقُ من تصوّراتٍ غريبةٍ لطيفة (إذ لمّا كان من المحتملِ وجودُ تصوّراتٍ بديعةٍ ولطيفةٍ في كلماتهم، وجبَ علينا الاطّلاعُ على مقالاتهم) وتصرّفاتٍ مليحةٍ شريفة (وهي التصرّفاتُ التي يُمرّنُ الذهنُ بها نفسَه على كيفيةِ الردِّ والإيرادِ والجوابِ والتوجيهِ والتأويلِ ليُصقَلَ من خلالِها، فلا يكونُ شأنُه كشأنِ من يمرُّ على آياتِ القرآنِ مرًّا دونَ وقوفٍ عند إيرادٍ أو جواب)؛ وذلك كي تستحكمَ في نفوسِ الطالبين مَلَكةُ استخراجِ المسائلِ المُشكلة، ويطّلعَ أصحابُ البحثِ على دقائقِ المباحثِ المعضلة.
والحقُّ أنّ جُلَّ هذه المباحثِ المودعةِ في الدفاترِ والمسطورةِ في بطونِ الأوراق، إنّما فائدتُها مجرّدُ التنبيهِ والإحاطةِ بأفكارِ وأنظارِ أربابِ الفكرِ والدراية، لتكونَ النتيجةُ هي انبعاثُ الشوقِ للوصول؛ لا أنْ يشحنَ المرءُ صدرَهُ بنقوشِ المعقولِ والمنقولِ، ويقتصرَ على مجرّدِ القراءة.
فمجرّد القراءة لا ينفع! فمثلاً ما لم يصل الإنسان إلى حقيقة الفقه، فحتّى لو ألّف ألفَ رسالةٍ، فما الفائدة؟ وما لم يصل إلى حقيقة المسائل الحكميّة، فإنّ هذه النقوش التي في صدره لن تحلّ أيّة مشكلة؛ لأنّ هذه المسائل موجودة في الشريط أيضًا، ولا تحلّ المشاكل!
المراد من كسب المعارف الإلهيّة في رؤية أهل الحكمة
فإنّ مجرّد ذلك (أي هذه القراءات) ممّا لا يحصل به اطمئنانُ القلب وسكونُ النفس وراحةُ البال وطيبُ المذاق، بل هي ممّا يُعدّ الطالبَ لسلوكِ سبيلِ المعرفة، والوصولِ إلى الأسرار، إن كان مقتديًا بطريقة الأبرار، متّصفًا بصفات الأخيار.
فكلّ هذه معدّات ومساعدات وتفتح الطريق؛ وحينها، عليك أنت أن تمضي! يُمهّدون الطريق؛ فعليك أن تسير! يُنظّفون الطريق من الحجارة والتعقيدات والرمال؛ لكن، عليك أن تُكمل المسير بنفسك! وعندما يتعبّد الطريق، لا يُفيد الوقوف في المكان، بل يجب على الإنسان أن يتحرّك. كلّ هذه علامات تدلّ على الطريق، وتُبيّن المسافة إلى المدينة المعيّنة والمنعطفات التي فيها. وهي تحكي عن تلك الوقائع النفس الأمريّة؛ وحينها، يجب على الإنسان نفسه أن يتّخذها مصابيح هداية، ويُكمل مسيره.
