
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
12أي: فهذا الكتاب ـ بحمد الله تعالى ـ كلامٌ لا انحراف فيه ولا شكّ ولا ترديد، ولا يأخذه أيّ اضطرابٍ، وهو مُحكَمٌ ومُتقَنٌ وموصولٌ بسَدّ الإسكندر، قد حفظ جميع الأوضاع، وسار طِبقًا للقوانين وبنحوٍ دقيقٍ (أي إنّني لم أُطلِق الشعارات هنا، ولم أدخُل في العواطف، ولم أتلفّظ بكلماتٍ لا قيمة لها ولا أصل ولا أساس، بل بيّنتها واحدةً فواحدةً طِبقًا للقانون والوضع العلميّ).
ففي المقام الذي ينبغي أن أتكلّم فيه بالرمز، تكلّمت بالرمز؛ وفي الموضع الذي يجب أن أُبيّن فيه المسألة بنحوٍ برهانيّ وعقليّ وبوضوحٍ، بيّنتها كذلك (أي إنّني جمعت هنا لكلّ أحدٍ ما يريده). فهو في غاية عُلوّه قريبٌ من الأفهام؛ ومع أنّني عرضتُ هذه المسائل في غاية الدُنوّ والنزول، إلّا أنّها رفيعةٌ وعاليةٌ جِدًّا؛ إذ اندمجت العلوم التألهيّة للحكمة البحثيّة في هذا الكتاب، ووُجِدت فيه مجموعة من العلوم، واستحكمت وتدرّعت فيه الحقائق الكشفيّة بالبيانات العلميّة، واكتست الأسرار الربانيّة بعباراتٍ واضحةٍ جِدًّا ومألوفةٍ وموافقةٍ للطباع (أي إنّها ليست كعبارات بعض الصوفيّة الذين يستعملون عباراتٍ صعبةً وعجيبةً وغريبةً جِدًّا تُوحِش الإنسان، حيث إنّني لم أستعمل أنا هذه العبارات)، واستُخدمت المعاني الغامضة في ألفاظٍ قريبةٍ تألفها الأسماع. فالبراهين ذات وضوحٍ مُستحسَنٍ جِدًّا وهي ترتقي لِوضوحها، وشُبُهات الجاهلين بالحقّ ـ من حيث افتضاحها ـ مُنحطّةٌ ووضيعةٌ جِدًّا.
انظر بعين عقلك إلى معانيه؛ هل تنظر فيه من قصور؟ ثمّ ارجع البصر كرّتين إلى ألفاظه؛ هل ترى فيه من فطور؟ وقد أشرت في رموزه إلى كنوز من الحقائق لا يهتدي إلى معناها، إلاّ من عنّى نفسه بالمجاهدات العقليّة حتّى يعرف المطالب، ونبّهت في فصوله إلى أصول لا يطّلع على مغزاها إلاّ من أتعب بدنه في الرياضات الدينيّة لكيلا يذوق المشرب.
مزج العقل والذوق في تأليف الأسفار
وقد صنّفته لإخواني في الدين ورفقائي في طريق الكشف واليقين (بمعنى أنّ هذا الكتاب يبلغ بالإنسان مرتبة الكشف واليقين، وليس مجرّد فلسفةٍ جافّة تقتصر على سبر أغوار المعاني والمفاهيم)؛ لأنّه لا ينتفع بها كثير الانتفاع إلاّ من أحاط بأكثر كلام العقلاء ووقف على مضمون مصنّفات الحكماء غير محتجب بمعلومه ولا منكرًا لما وراء مفهومه؛ فإنّ الحقّ لا ينحصر بحسب فهم كلّ ذي فهم ولا يتقدّر بقدر كلّ عقل ووهم (فالحقّ أعلى من ذلك)، فإن وجدته ـ أيّها الناظر ـ مخالفًا لما اعتقدته أو فهمته بالذوق السليم، فلا تُنكره ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.۱ فافقهنّ أنّ من احتجب بمعلومه وأنكر ما وراء مفهومه، فهو موقوف على حدّ علمه وعرفانه، محجوب عن خبايا أسرار ربّه وديّانه (أي: اعلم أنّ من احتجب بنور علمه، فأنكر ما وراء ما أدركه، لن يَعُودَ قادرًا على الحركة، بل يبقى واقفًا عند حدِّ علمه، ويُحجَب بتلك الأستار الجبروتيّة التي جعلها اللهُ لتبقى هذه الأسرار محفوظةً تحتها، فلا يعود ينالها).
- سورة يوسف، الآية ۷٦.
