
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود
هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.
الغاية القصوى للحكمة المتعالية
11فنهضت عزيمتي بعد ما كانت قاعدةً، وهبّت همّتي غبّ ما كانت راكدة، واهتزّ الخامد من نشاطي وتموّج الجامد من انبساطي، وقلت لنفسي: هذا أوان الاهتمام والشروع، وذكر أصول يُستنبط منها الفروع، وتحلية الأسماع بجواهر المعاني الفائقة، وإبراز الحقّ في صورته المعجبة الرائقة.
أي: فتحرّك عزمي، وانبعث بعد أن كان مُقعَدًا، وتهيّجت همّتي بعد أن كانت راكدةً، واهتزّ نشاطي الذي مال إلى الفتور والخمود، وسرت الحركة في انبساطي بعد جموده وجفافه، وقُلتُ في نفسي: حان الوقت لأهتمّ وأشرع في إيراد أصولٍ من الحكمة لتُستَنبَط منها الفروع، وأُزيّن الأسماعَ بجواهر المعاني الفائقة، وأُبرِز الحقَّ في صورته المُعجِبة الرائقة وبشكلٍ عجيبٍ جدًّا؛ لكي أُظهِر الحقّ للجميع، وأُبيّن ما قاله الآخرون بوجهٍ آخر.
فصنّفت كتابًا إلهيًّا للسالكين المشتغلين بتحصيل الكمال، وأبرزت حكمة ربانيّة للطالبين لأسرار حضرة ذي الجمال والجلال. كاد أن يتجلّى الحقّ فيه بالنور الموجب للظهور، وقرب أن ينكشف بها كلّ مرموز ومستور.
أي: بيّنتُ المسائل بحيث يبدو أنّ الحقّ يُظهر نفسه في هذا الكتاب ويقول: أنا الحقّ! افهموا التوحيد من هنا! افهموا الحقّ من مسائلي هذه! وكاد أن يخرج اللهُ تعالى من خفائه، ويُبرز حقيقتَه وواقعيّتَه في منصّة الظهور.
وقد اطّلعنيَ اللهُ فيه على المعاني المتساطعة أنوارها في معارف ذاته وصفاته، مع تجوال عقول العقلاء حول جنابه وترجاعهم حاسرين. وألهمني بنصره المؤيّد به من يشاء من عباده الحقائقَ المتعالية أسرارها في استكشاف مبدئه ومعاده، مع تطواف فهوم الفضلاء حريم حماه وتردادهم خاسرين (لكنّ الله تعالى أنعم عليّ بأن توصّلت إلى هذه المسائل، بينما هم لم يتوصّلوا إليها).
الخصائص الدراسيّة والمعرفيّة لكتاب الأسفار
فجاء بحمد الله كلامًا لا عوج فيه ولا ارتياب ولا لجلجة ولا اضطراب يعتريه، حافظًا للأوضاع، رامزًا مشبعًا في مقام الرمز والإشباع، قريبًا من الأفهام في نهاية علوّه، رفيعًا عاليًا في المقام مع غاية دنوّه؛ إذ قد اندمجت فيه العلوم التألّهيّة في الحكمة البحثيّة، وتدرّعت فيه الحقائق الكشفيّة بالبيانات العلميّة۱، وتسربلت الأسرار الربانيّة بالعبارات المأنوسة للطباع، واستعملت المعاني الغامضة في ألفاظ القريبة من الأسماع، فالبراهين تتبختر اتّضاحًا وشبه الجاهلين للحقّ تتضاءل افتضاحًا.
- خ ل: التعليميّة.
