
العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار
داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة
ما هو التقليد الأعمى الذي حاربه الأنبياء والأولياء على مرّ التاريخ؟ ولماذا هرب المرحوم صدر المتألّهين من أبناء زمانه ولجأ إلى العزلة لكتابة سِفره العظيم «الأسفار»؟ هل يُمكن الاعتماد على الإجماع الأصوليّ للوصول إلى قول المعصوم؟ وما الفرق بينه وبين إجماع أولياء الله؟ وكيف يجب أن تتوجّه البوصلة دائمًا نحو الأئمّة عليهم السلام دون غيرهم في أخذ الأحكام والمعارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، مع إضاءات تاريخيّة وعرفانيّة حول شخصيّات كالمرحوم القاضي والسيّد البروجرديّ.
العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار
8وقد ذكر المرحوم العلاّمة اسمه أيضًا. كان من أصدقاء المرحوم العلاّمة، ولكنّه ابتعد في الآونة الأخيرة. هو رجل صالح وشيخ نورانيّ ومحترم جدًّا، ويبدو أنّه لا يزال حيًّا الآن.
عندما كان المرحوم العلاّمة ينقل هذه القضيّة في مجلس خاصّ، قلت: سيّدي، أنا أعترض على كلامه! في مقام وساحة الولاية، لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى أيّ شيء! بل يجب أن تكون الولاية وحدها هي المعيار، وتسمو فوق كلّ شيء.
فضحك وقال: «نعم، على كلّ حال، نحن لا شأن لنا بهذا الآن».۱
وبالطبع، كان الشيخ عبّاس أستاذ المرحوم العلاّمة، فلم يشأ أن يقول شيئًا تأدّبًا؛ ولكنّه لم يكن أستاذي أنا!
شكوى الملاّ صدرا من تقليد الناس الأعمى
ولهذا، يشتكي المرحوم صدر المتألهين هنا من مسألة التقليد ويقول [ما معناه]:
كان الناس في ذلك الزمان يسبّون ويشتمون ويكفّرون ولا يبالون أبدًا! لقد وقعت زمام الأمور بأيدي ثلّة من الجهّال، فجرّوا الناس وراءهم (أي هذه التيّارات نفسها التي كانت تقف في الماضي ضدّ العرفان والفلسفة)؛ ولهذا، اضطررتُ لفترات طويلة أن أعتزل في زاوية وفي خمول، وأنشغل بالرياضات وما شابه ذلك، حتّى كشف الله تعالى لي حجب أستاره، وأنار قلبي بأنوار الملكوت.
بعد ذلك، بدأ بكتابة كتاب «الأسفار». أي إنّ صدر المتألهين هرب حقًّا من أيدي الناس إلى زاوية لئلاّ يراه أحد! لأنّه:
خون دلم از دیده روان است از آنک *** از دل برود هر آنچه از دیده برفت٢ [يقول: يجري دم قلبي من عيني؛ لأنّ ما غاب عن العين غاب عن القلب]
عندما لا يكون الإنسان في معرض الأنظار، فلا شأن لأحد به، ولا يلتفت إليه أحد؛ ولهذا، تجده يُمارس أعماله الخاصّة.
طريقة جمع مسائل كتاب «الأسفار»
ثُمَّ إنِّي قَدْ صَرَفْتُ قُوَّتِي فِي سَالِفِ الزَّمَانِ مُنْذُ أَوَّلِ الحَدَاثَةِ وَالرَّيَعَانِ فِي الفَلْسَفَةِ الإِلَهِيَّةِ بِمِقْدَارِ مَا أُوتِيتُ مِنَ المَقْدُورِ، وَبَلَغَ إلَيْهِ قِسْطِي مِنَ السَّعْيِ المَوْفُورِ، وَاقْتَفَيْتُ آثَارَ الحُكَمَاءِ السَّابِقِينَ وَالفُضَلَاءِ اللاّحِقِينَ مُقْتَبِسًا مِنْ نَتَائِجِ خَوَاطِرِهِمْ وَأَنْظَارِهِمْ، مُسْتَفِيدًا مِنْ أَبْكَارِ ضَمَائِرِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ. وَحَصَّلْتُ مَا وَجَدْتُهُ فِي كُتُبِ اليُونَانِيِّينَ وَالرُّؤَسَاءِ المُعَلِّمِينَ، تَحْصِيلاً يَخْتَارُ اللُّبَابَ مِنْ كُلِّ بَابٍ وَيَجْتَازُ عَنِ التَّطْوِيلِ وَالإِطْنَابِ، مُجْتَنِبًا فِي ذَلِكَ طُولَ الأَمَلِ مَعَ قَصْرِ العَمَلِ، مُعْرِضًا مِنْ إِسْهَابِ الجَدَلِ مَعَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَالأَجَلِ، طَلَبًا لِلْجَاهِ الوَهْمِيِّ وَتَشَوُّقًا إِلَى التَّرَؤُّسِ الخَيَالِيِّ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ مِنَ الحِكْمَةِ بِطَائِلٍ أَوْ يَرْجِعَ البَحْثُ إِلَى حَاصِلٍ.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: أسرار الملكوت، ج ٣، ص ۱٥٩.
- ديوان معزى، أمير معزى، الرباعيات، الرباعي رقم ٤٤.
