
العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار
داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة
ما هو التقليد الأعمى الذي حاربه الأنبياء والأولياء على مرّ التاريخ؟ ولماذا هرب المرحوم صدر المتألّهين من أبناء زمانه ولجأ إلى العزلة لكتابة سِفره العظيم «الأسفار»؟ هل يُمكن الاعتماد على الإجماع الأصوليّ للوصول إلى قول المعصوم؟ وما الفرق بينه وبين إجماع أولياء الله؟ وكيف يجب أن تتوجّه البوصلة دائمًا نحو الأئمّة عليهم السلام دون غيرهم في أخذ الأحكام والمعارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، مع إضاءات تاريخيّة وعرفانيّة حول شخصيّات كالمرحوم القاضي والسيّد البروجرديّ.
العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار
12وَلَكِنَّ العَوَائِقَ كَانَتْ تَمْنَعُ مِنَ المُرَادِ، وَعَوَادِي الأَيَّامِ تَضْرِبُ دُونَ بُلُوغِ الغَرَضِ بِالأَسْدَادِ؛ فَأَقْعَدَنِي الأَيَّامُ عَنِ القِيَامِ، وَحَجَبَنِي الدَّهْرُ عَنِ الِاتِّصَالِ إِلَى المَرَامِ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ مُعَادَاةِ الدَّهْرِ بِتَرْبِيَةِ الجَهَلَةِ وَالأَرْذَالِ، وَشَعْشَعَةِ نِيرَانِ الجَهَالَةِ وَالضَّلَالِ، وَرَثَاثَةِ الحَالِ وَرَكَاكَةِ الرِّجَالِ.
وَقَدِ ابْتُلِينَا بِجَمَاعَةٍ غَارِبِي الفَهْمِ، تَعْمَشُ عُيُونُهُمْ عَنْ أَنْوَارِ الحِكْمَةِ وَأَسْرَارِهَا، تَكِلُّ بَصَائِرُهُمْ كَأَبْصَارِ الخَفَافِيشِ عَنْ أَضْوَاءِ المَعْرِفَةِ وَآثَارِهَا! يَرَوْنَ التَّعَمُّقَ فِي الأُمُورِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالتَّدَبُّرَ فِي الآيَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ بِدْعَةً، وَمُخَالَفَةَ أَوْضَاعِ جَمَاهِيرِ الخَلْقِ مِنَ الهَمَجِ الرِّعَاعِ (الذين يميلون مع كلّ ريح) ضَلَالَةً وَخُدْعَةً (أي عندما كنّا نقف ضدّ هذه القوانين والعادات والرسوم العواميّة، كانوا يقولون: إنّ هذا الشخص يبتدع ويأتي بأمر جديد يُخالف آباءنا وأجدادنا!)؛ كَأَنَّهُمُ الحَنَابِلَةُ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ (الذين دسّوا وغيّروا وحرّفوا الروايات)! المُتَشَابِهُ عِنْدَهُمُ الوَاجِبُ وَالمُمْكِنُ، وَالقَدِيمُ وَالحَدِيثُ (أي لا يفرّقون بينها). لَمْ يَتَعَدَّ نَظَرُهُمْ عَنْ طُورِ الأَجْسَامِ وَمَسَامِيرِهَا، وَلَمْ يَرْتَقِ فِكْرُهُمْ عَنْ هَذِهِ الهَيَاكِلِ المُظْلِمَةِ وَدَيَاجِيرِهَا.
أي إنّهم يحسبون الله تعالى كالمخلوق تمامًا، ولا يُفرّقون بتاتًا بين القديم والحادث، ولم ينتقلوا من الجسم إلى المعنويّة والروحانيّة والنفسانيّة وعالم المعنى، بل تركّز نظرُهم في عالم الأجسام والدنيا.
فَحُرِمُوا۱ لِمُعَادَاتِهِمُ العِلْمَ وَالعِرْفَانَ وَرَفْضِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ طَرِيقَ الحِكْمَةِ وَالإِيقَانِ عَنِ العُلُومِ المُقَدَّسَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَالأَسْرَارِ الشَّرِيفَةِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي رَمَزَتِ الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْلِيَاءُ عَلَيْهَا، وَأَشَارَتِ الحُكَمَاءُ وَالعُرَفَاءُ إِلَيْهَا.
لأنّ مَن يبحث عن تلك المسائل هو مَن أُعطي علامة عليها.
نشانی دادهاندت از خرابات *** که: التوحید إسقاط الإضافات! [يقول: لقد أعطوك علامة من الخرابات وهي أنّ: التوحيد إسقاط الإضافات!]
أي: لقد أعطوا علامة؛ فأخذها البعض، ولكنّ الأغلبيّة تركوها!
فَأَصْبَحَ الجَهْلُ بَاهِرَ الرَّايَاتِ ظَاهِرَ الآيَاتِ (وحاكمًا في كلّ مكان)، فَأَعْدَمُوا العِلْمَ وَفَضْلَهُ، وَاسْتَرْذَلُوا العِرْفَانَ وَأَهْلَهُ (واستذلّوهم واعتبروهم في مرتبة دنيئة)، وَانْصَرَفُوا عَنِ الحِكْمَةِ زَاهِدِينَ وَمَنَعُوهَا مُعَانِدِينَ، يُنَفِّرُونَ الطِّبَاعَ عَنِ الحُكَمَاءِ، وَيَطْرَحُونَ العُلَمَاءَ العُرَفَاءَ وَالأَصْفِيَاءَ (جانبًا).
وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِي بَحْرِ الجَهْلِ وَالحُمْقِ أَوْلَجَ وَعَنْ ضِيَاءِ المَعْقُولِ وَالمَنْقُولِ أَخْرَجَ، كَانَ إِلَى أَوْجِ القَبُولِ وَالإِقْبَالِ (عند الناس) أَوْصَلَ، وَعِنْدَ أَرْبَابِ الزَّمَانِ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ!
كَمْ عَالِمٍ لَمْ يَلِجْ بِالقَرْعِ بَابَ مُنًى *** وَجَاهِلٍ قَبْلَ قَرْعِ البَابِ قَدْ وَلَجَا٢و٣ - خ ل: فُحُرِّموا.
- ديوان الغَزّی، ص ٧٤٩.
- الحكمة المتعالية، ج ١، ص ٤ ـ ٦.
