
العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار
داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة
ما هو التقليد الأعمى الذي حاربه الأنبياء والأولياء على مرّ التاريخ؟ ولماذا هرب المرحوم صدر المتألّهين من أبناء زمانه ولجأ إلى العزلة لكتابة سِفره العظيم «الأسفار»؟ هل يُمكن الاعتماد على الإجماع الأصوليّ للوصول إلى قول المعصوم؟ وما الفرق بينه وبين إجماع أولياء الله؟ وكيف يجب أن تتوجّه البوصلة دائمًا نحو الأئمّة عليهم السلام دون غيرهم في أخذ الأحكام والمعارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، مع إضاءات تاريخيّة وعرفانيّة حول شخصيّات كالمرحوم القاضي والسيّد البروجرديّ.
العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار
11ثمّ يرجع بخفّي حنين خائبًا خاسرًا؛ أي يُضيّع كلّ حياته؛ وعندما يأتيه ملك الموت، يكون عليه تقديمُ كشفٍ للحساب، ويصير مطرحًا للعار والشين على ذلك العمر الذي أضاعه! وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرِينَ أَعمَٰلاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا﴾. أعاذنا الله تعالى من هذه الورطة المدهشة والمهاوي المهلكة، والظلمة الموحشة!
وَإنِّي لَقَدْ صَادَفْتُ أَصْدَافًا عِلْمِيَّةً فِي بَحْرِ الحِكْمَةِ الزَّاخِرَةِ، مُدْعَمَةً بِدَعَائِمِ البَرَاهِينِ البَاهِرَةِ، مَشْحُونَةً بِدُرَرٍ مِنْ نُكَاتٍ فَاخِرَةٍ، مَكْنُونَةً فِيهَا لآلِئُ دَقَائِقَ زَاهِرَةٍ.
وَكُنْتُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ أُجِيلُ رَأْيِي أُردِّدُ قِدَاحِي وَأُؤَامِرُ نَفْسِي وَأُنَازِعُ سِرِّي، حَدَبًا عَلَى أَهْلِ الطَّلَبِ وَمَنْ لَهُ فِي تَحْقِيقِ الحَقِّ إِرَبٌ، فِي أَنْ أَشُقَّ تِلْكَ الأَصْدَافَ السَّمِينَةَ وَأَسْتَخْرِجَ مِنْهَا دُرَرَهَا الثَّمِينَةَ وَأُرَوِّقَ بِمِصْفَاةِ الفِكْرِ صَفَاهَا مِنْ كَدَرِهَا وَأَنْخُلَ بِمُنْخُلِ الطَّبِيعَةِ لُبَابَهَا عَنْ قُشُورِهَا.
أي: أمّا أنا، فقد صادفت في بحر الحكمة الزاخر أصدافًا علميّة، كانت مدعّمة بدعائم البراهين الباهرة واليقينيّة، وليس استنادًا إلى القيل والقال والنقليّات؛ وكانت هذه الحكمة مشحونة بدرر من نكات فاخرة وثمينة، ودقائق زاهرة ومشرقة.
وكنت برهة من الزمان أُجيل رأيي وأُردّد قداحي وأُؤامر نفسي وأُنازع سرّي، منعطفًا على أهل الطلب؛ أي أجادلهم وأناقشهم لأتزوّد منهم، ولأفيد مَن له حاجة في تحقيق الحقّ، وأشقّ لهم تلك الأصداف السمينة والغالية لاستخراج دررها الثمينة (أي كنت أبحث عن أفراد قادرين على الاستفادة من مسائلي هذه، لأستفيد أنا وأفيدهم)، ولأروّق صفوها من كدرها بمصفاة الفكر، وأجليها وأفتحها وأشقّها، وأنخل لبابها من قشورها بمنخل الطبيعة لكي أعرض ذلك اللباب على طالبي العلم.
وَأُصَنِّفَ كِتَابًا جَامِعًا لِشَتَاتِ مَا وَجَدْتُهُ فِي كُتُبِ الأَقْدَمِينَ، مُشْتَمِلاً عَلَى خُلَاصَةِ أَقْوَالِ المَشَّائِينَ وَنَقَاوَةِ أَذْوَاقِ أَهْلِ الإِشْرَاقِ مِنَ الحُكَمَاءِ الرَّوَاقِيِّينَ، مَعَ زَوَائِدَ لَمْ تُوجَدْ فِي كُتُبِ أَهْلِ الفَنِّ مِنْ حُكَمَاءِ الأَعْصَارِ، وَفَرَائِدَ (ونكات ثمينة) لَمْ يَجِدْ بِهَا طَبْعُ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الأَدْوَارِ، وَلَمْ يَسْمَحْ بِمِثْلِهِ دَوْرَاتُ السَّمَاوَاتِ وَلَمْ يُشَاهَدْ شِبْهُهُ فِي عَالَمِ الحَرَكَاتِ (والكون والفساد).
جهل الناس وتجاهلهم أكبر مانع للملا صدرا في طريق تأليف كتاب «الأسفار»
