
أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة
لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة
هل تتعارض دراسة الفلسفة والحكمة مع لزوم التسليم التامّ لولاية الأئمّة الأطهار؟ ولماذا صرّح صدر المتألّهين بعدم جدوى الغوص في آراء الحكماء السابقين؟ ما هو المعيار الحقيقيّ لرجحان التدقيق في المسائل العقليّة على التدقيق المبالغ فيه في العلوم الاعتباريّة كعلم الأصول؟ ولماذا تحتاج النفس المطمئنّة في مسار تجرّدها إلى ترويض البدن؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات العميقة؛ مبيّنةً أفضليّة الحكمة لعلّو موضوعها؛ أي معرفة الله وصفاته.
أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة
7لا أحد غنيّ عن مواهب القرآن ومواهب أهل البيت وولايتهم عليهم السلام! فليس الأمر أنّ من يرتقي يستغني؛ بل إنّ الأفراد الذين يرجعون ويتوغّلون في المسائل الحقّة الإلهيّة، يكون احتياجهم إلى الولاية أكثر بمليارات المرّات من الأفراد العاديّين، ولا مجال للمقارنة في الأساس. فذلك الإنسان العادي لا يفهم شيئًا سوى الجنّة والنار والكمّثرى والتفّاح والحور العين، وهو لم يُدرك مقام جلال الله وجماله، ولم يشعر في الأساس بمقام عجز العبد وحاجته وفقره! فمتى فهم شيئًا من هذه المسائل؟! وهنا تكمن حاجتنا إلى الأئمّة عليهم السلام وإلى الولاية. فالأفراد العاديّون لا يعرفون شيئًا؛ فغاية الأمر أنّهم يُؤدّون صلاة، ثمّ يطفئون شهوتهم، ويذهبون إلى الحمّام صباحًا، ثمّ ينهضون، ويذهبون إلى أعمالهم، ويضربون بمعاولهم، ولا يفعلون شيئًا آخر!
ولهذا، فإنّ الفلسفة والحكمة الإلهيّة لا تفصل الإنسان عن الاتّصال والتمسّك بمقام الولاية فحسب، بل تجعله أكثر تعلّقًا، وتُظهر له فناءَه واحتياجه وفقره بشكل أكبر. وكلّ مسائل الفلسفة تحكي عن هذا المعنى؛ غاية الأمر أنّ الحديث يدور حول الكيفيّة التي يُمكن للإنسان أن يستفيد بها [منها].
ولهذا، فمن غير الإنصاف حقًّا أن يقول البعض: «إنّ صدر المتألّهين رضوان الله عليه لمّا لم يظفر بطائل من هذه المسائل بنفسه، توجّه نحو هذه المسائل الأخرى!». فإذا لم يظفر بطائل، فلماذا كتب «الأسفار» إذن؟ ولماذا قال إنّ العلوم العقليّة المحضة والعلم بالله والعلم بصفات الله والملائكة وكيفيّة نزول الكتب وإرسال الرسل هي وحدها المفيدة، وإنّ العلوم الأخرى تقع في مرتبة متأخّرة؟! لابدّ أنّه كان قد فهم شيئًا حتّى قال هذا الكلام!
ضرورة الاهتمام التامّ بأفضل العلوم
فالواجب على العاقل أن يتوجّه بشراشره إلى الاشتغال بالأهمّ، والحزم له أن يُكبّ طول عمره على ما الاختصاص لتكميل ذاته فيه أتمّ.
أي: فيجب إذن على الإنسان العاقل أن يتوجّه بجميع شراشره وحيثيّاته (أي بهمّته وإرادته وقواه وغيرها) ليرى ما هو الأهمّ، حتّى يسعى خلفه ويتوجّه إليه، ويوقف نفسه طوال عمره عليه، ويضع نفسه في أمرٍ يكون تخصيصُ وقتِه فيه أتمَّ لتكميل ذاته، ليبلغ بذلك تماميّة أكبر وأعلى.
