
أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة
لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة
هل تتعارض دراسة الفلسفة والحكمة مع لزوم التسليم التامّ لولاية الأئمّة الأطهار؟ ولماذا صرّح صدر المتألّهين بعدم جدوى الغوص في آراء الحكماء السابقين؟ ما هو المعيار الحقيقيّ لرجحان التدقيق في المسائل العقليّة على التدقيق المبالغ فيه في العلوم الاعتباريّة كعلم الأصول؟ ولماذا تحتاج النفس المطمئنّة في مسار تجرّدها إلى ترويض البدن؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات العميقة؛ مبيّنةً أفضليّة الحكمة لعلّو موضوعها؛ أي معرفة الله وصفاته.
أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة
6إذن، من اللازم أن يعرف الإنسان هذه المسائل والعلوم في ناحية الفكر والتعقّل، وأن يعتقد بها؛ فلا ينبغي أن يكون اعتقاده بها تقليديًّا. أي: عندما يقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ وَالذين لا يَعْلَمُونَ﴾،۱ يجب أن يعتقد بأنّ العلم حقيقة وليس مجازًا.
أو يعتقد في الآية القرآنيّة: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾٢ بأنّ أولي الألباب عبارة عن حقيقة.
أو يعلم أنّ الأمر بالتعقّل في الآية القرآنيّة: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾٣ هو حقيقة؛ لأنّ الله لا يُريد أن يقول على نحو المجاز: «قولوا الآن ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾، وحينما تصل أيديكم إلى الفقه لاحقًا سنُصحّح لكم ذلك!»؛ فالله لم يُرد أن ينظم الشعر! بل يجب التعقّل في جميع المسائل.
فالآية القرآنيّة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليل وَالنهار لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾٤ والآية القرآنيّة: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾.٥ كلّ هذه حقائق!
والآية القرآنيّة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾٦ التي نصل من طريقها إلى برهان النظم، هي حقيقة!
لقد نزل القرآن لجميع الناس، ولا يُمكن فصلُ فئة عن أخرى، واعتبارُ عدّةٍ مستفيدةً من القرآن، وعدّةٍ أخرى غنيّةً عن حقائقه؛ ولهذا، نرى أنّ هناك تفاوتًا في نفس آيات القرآن واستدلالاته بحسب مرتبة كلّ أحد؛ فمثلاً، الآية القرآنيّة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ هي برهان لتلك العجوز، وهي في الوقت نفسه برهان لحكيم متألّه متوغّل في العلوم الإلهيّة، ولا فرق في ذلك أبدًا! أو على سبيل المثال، فإنّ البيت الشعريّ الذي جاء فيه:
از آن چرخه که گرداند زن پیر *** قیاس چرخ گردنده همان گیر۷ [يقول: تَأَمَّلْ مِغْزَلَ العَجُوزِ حِينَ يَدُور، وَقِسْ عَلَيْهِ دوران الفَلَكِ المَعْمُور]
هو برهان؛ وكذلك الآية القرآنيّة التي يقول الله تعالى فيها: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظاهر وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾۸ والتي تدلّ على الوحدة الحقّة الحقيقيّة وقاعدة «بسيط الحقيقة كلّ الأشياء»، هي برهان أيضًا. ولكن، هل تعرف تلك العجوز معنى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾، أم أنّها تدرك فقط هذا المقدار، وهو أنّه بمجرّد أنّه لم يكن أحد في الأوّل، فلن يكون أحد في الآخر أيضًا؟! فهذا المقدار برهان بالنسبة إليها؛ لكن، بالنسبة لذلك الحكيم المتألّه الذي تدلّ عنده الآية القرآنيّة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾٩ على تقدّم الجهة العلّية على المعلول من ناحية ذات المعلول نفسه، فإنّ ذلك المقدار برهان له.
- سورة الزمر، الآية ٩.
- سورة الزمر، الآية ٩.
- سورة البقرة، الآية ٤٤.
- سورة آل عمران، الآية ۱٩۰.
- سورة النساء، الآية ۸٢.
- سورة الأنبياء، الآية ٢٢.
- خمسة نظامي (الكنوز الخمسة لنظامي)، خسرو وشيرين.
- سورة الحديد، الآية ٣.
- سورة ق، الآية ۱٦.
