
أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة
لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة
هل تتعارض دراسة الفلسفة والحكمة مع لزوم التسليم التامّ لولاية الأئمّة الأطهار؟ ولماذا صرّح صدر المتألّهين بعدم جدوى الغوص في آراء الحكماء السابقين؟ ما هو المعيار الحقيقيّ لرجحان التدقيق في المسائل العقليّة على التدقيق المبالغ فيه في العلوم الاعتباريّة كعلم الأصول؟ ولماذا تحتاج النفس المطمئنّة في مسار تجرّدها إلى ترويض البدن؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات العميقة؛ مبيّنةً أفضليّة الحكمة لعلّو موضوعها؛ أي معرفة الله وصفاته.
أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة
13في كلّ علم، يجب أن نرى ما هو الهدف المرتجى من هذا العلم، وما هي النتيجة التي تُستخلص منه. فهل يُمكن القول في مسائل الطبّ: إنّه لا حاجة إلى مزيد من المطالعة والتدقيق، وإنّنا نعمل بكلّ ما قرأناه؟ كلاّ، فكلّما فكّرتم أكثر في مسائل الطبّ وجرّبتم أكثر، ستصلون إلى نتائج أفضل؛ فلا يُمكنكم رفض ضرورة التعلّم الأكثر والتجربة الأكثر.
ولهذا، وبشكل عامّ، فإنّ المسألة تختلف في موارد كلّ علم وفنّ بحسب حاجة الإنسان إلى هذا العلم، وبحسب الهدف والغاية التي يطلبها الإنسان منه.
لزوم الاجتهاد والتتبّع في جميع الروايات العقليّة والأخلاقيّة والفقهيّة
والخلاص عمّا يعوقه عن الوصول إلى منزل الرشاد ويوم الميعاد، وذلك هو ما يختصّ من العلوم بتكميل إحدى قوّتيه اللتين هما جهة ذاته ووجهه إلى الحقّ، وجهة إضافته ووجهه إلى الخلق.
أي: ويتخلّص ممّا يُعيقه عن الوصول إلى منزل الرشاد ويوم الميعاد. وهذا هو العلم الذي يختصّ من بين العلوم بتكميل إحدى قوّتي الإنسان؛ إحداهما جهة اتّصال الإنسان وتوجّهه نحو الربّ والجانب الروحانيّ فيه، والأخرى جهة ارتباط الإنسان بعالَم الخلق وأحواله وجوارحه، والجانب المتعلّق بالبدن والجانب الخَلقيّ من نفسه.
فبسبب هاتين القوّتين، يجب على الإنسان أن يتعلّم علومًا ترتبط ببدنه ومعاشه، وبمعاده أيضًا، لكيلا يتخلّف عن حياة الدنيا هذه، ولا يقع في الخطأ هكذا في الأعمال اليوميّة؛ أي ألاّ تبطل معاملته مثلاً، وألاّ تكون الأعمال التي يقوم بها محرّمة.
ولهذا، ترون أنّ الكثير من الفلاسفة والحكماء لم تكن لهم أيّة تحقيقات في المسائل الفقهيّة بتاتًا. وبطبيعة الحال، لا يعني هذا الأمر أنّ علينا أن نعمل هكذا أيضًا؛ كلاّ، بل يجب على الإنسان أن يُصبح مجتهدًا من ناحية الاجتهاد وتحصيل العلوم الدينيّة، وأن يُدقّق في ذلك بقدر استطاعته. أمّا إذا أردتم واقع المسألة، فإنّ أعمال الإنسان تُنجز برسالة (توضيح المسائل) أيضًا! فماذا تريدون من الشرع غير رسالة توضيح المسائل؟ خذ رسالة، واعمل بها في الصلاة والصوم والحجّ وغيرها؛ وما تبقّى من العلوم بعد ذلك هو المعارف فحسب! ولهذا، كان هناك الكثيرون ممّن لا يسعون لأن يستنبطوا الأحكام بأنفسهم حتمًا، بل كانوا يكتفون بهذا المقدار، وهو أن يعرفوا من الناحية العمليّة كيف يجب أن يصلّوا... ثمّ بعد ذلك، يُكرّسون كلّ همّتهم للعلوم العقليّة والمعارف.
