
أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة
لزوم اقتران العلوم العقليّة المحضة بالرياضات الشرعيّة والعبادات البدنيّة
هل تتعارض دراسة الفلسفة والحكمة مع لزوم التسليم التامّ لولاية الأئمّة الأطهار؟ ولماذا صرّح صدر المتألّهين بعدم جدوى الغوص في آراء الحكماء السابقين؟ ما هو المعيار الحقيقيّ لرجحان التدقيق في المسائل العقليّة على التدقيق المبالغ فيه في العلوم الاعتباريّة كعلم الأصول؟ ولماذا تحتاج النفس المطمئنّة في مسار تجرّدها إلى ترويض البدن؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات العميقة؛ مبيّنةً أفضليّة الحكمة لعلّو موضوعها؛ أي معرفة الله وصفاته.
أفضليّة علم الحكمة والمعارف الإلهيّة
10ترون كيف أنّ هذه التشكيكات هي تشكيكات واهية! عزيزي، أيُّ نبيّ قدّم أصولاً كهذه لابن مسعود وسلمان وعمّار؟! هل بيّن النبيُّ الأكرم صلّى الله عليه وآله التمسّك بالعامّ في صورة إجمال الخاصّ في الشبهة المصداقيّة والشبهة المفهوميّة؟! سيقول ابن مسعود متعجّبًا: ماذا قلتم؟ التمسّك بالعامّ! ما هو العامّ؟ وما هي الشبهة المصداقيّة؟ يعني: حقًّا، لو جاء النبيّ إلى الحوزة العلميّة، فهل كان سيقول: ادرسوا هكذا وبهذه الكيفيّة؟!۱ أم كان سيقول: اعملوا وفقًا لهذا المذاق العرفيّ، وامضوا قُدمًا!
ثمّ قال له المرحوم العلاّمة: إنّ ما تبحث عنه ليس هذا؛ أنت تبحث عن حقيقة المسألة وواقعها. فتحقيقات الآغا ضياء لا تنفع لصلاتك؛ بل إنّ تلك التحقيقات تنفع لمجلس البحث! وأنت نفسك الآن قريب من الاجتهاد ومن أهل العلم، ويجب عليك أن تتفرّغ للمسائل العمليّة، ولم يعُد هناك معنى للذهاب خلف هذه الأقوال!
ولهذا، يقول صدر المتألّهين لنفس هذا السبب: «يجب على الإنسان أن يقرأ بمقدار الحاجة».
أضرار التدقيق غير الضروريّ في العلوم الاعتباريّة
التلميذ: قلتم إنّ للأصوليّين والفقهاء تحقيقات مبالغًا فيها، وإنّ هذه التحقيقات تُمثّل عاملاً لنقد عملهم؛ في حين أنّنا نرى التحقيقات نفسها وبنحو أدقّ في المسائل الفلسفيّة أيضًا. فهل يَرِد هذا الإشكال على الفلسفة أيضًا؟
الأستاذ: بشكل عامّ، يجب أن نرى بأيّ لحاظ ينبغي أن يُقاس مقدار الحاجة إلى علم ما والغاية التي تُرتجى منه. فأوّلاً، يجب أن نرى ما هو هدفنا من الفقه، وما هو هدفنا من تحصيل الفلسفة.
الهدف من تعلّم علمي الفقه وأصول الفقه
إنّ الهدف الوحيد للفقه هو أن يعمل الإنسان بما جاء به النبيّ؛ والعمل بما جاء به النبيّ لا يحتاج إلى فكر وتعقّل! فعلى سبيل المثال، يقول نبيّ الإسلام: إنّ مفطرات الصوم تسعة أو عشرة؛ ومنها إدخال الدخان إلى الحلق.٢ و«إدخال الدخان إلى الحلق» له معنى واضح جدًّا. فحسنًا، لو حقّق إنسان في معنى الدخان، كأن يسأل مثلاً: ما هي حقيقة الدخان؟ وهل يُطلق الدخان على البخار أم لا؟ وما هي أقسام الدخان؟ وممّ يجب أن يتركّب الدخان حتّى يكون مُفطرًا؟ وهل يُطلَق الدخانُ على الدخان الموجود في هذا الزمان والذي هو من الغازات التي لم تكن موجودة في ذلك الزمان أم لا؟ إنّ مثل هذه التحقيقات العجيبة والغريبة لم تكن موجودة أبدًا في ذلك الزمان، ولا حاجة إليها أيضًا. فالمهمّ هو أن يُنظر إلى المعنى المتعارف والعرفيّ للدخان، وعلى أيّ شيء يطلق العرفُ كلمةَ الدخان.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: تفسير الميزان، ج ٥، ص ٢۷٦.
- راجع: وسائل الشيعة، ج ۱۰، ص ٣۱ و٦٩.
