
كمال الإنسان الحقيقيّ
المطلوب الحقيقيّ في عالم الوجود وحقيقة السعادة الإنسانيّة
هل تنحصر السعادة الحقيقيّة للإنسان في نيل اللذّات الحسّية والمقامات الدنيويّة؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين الرئاسة الحقيقيّة والرئاسة الخياليّة الزائلة؟ وكيف يُمكن للإنسان أن يصل إلى أعلى مراتب كماله من خلال التجرّد عن المادّيات والاتّصال بعالم المعقولات؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مبيّنةً مقدّمة صدر المتألّهين في كتاب “الأسفار”، وموضّحةً بالبراهين والأمثلة العرفانيّة أنّ ذات الباري هي المطلوب والمسؤول الحقيقيّ الوحيد في عالم الوجود، وأنّ القوى الجسمانيّة ما هي إلاّ وسائل للبقاء لا تمنح الإنسان كماله الحقيقيّ.
كمال الإنسان الحقيقيّ
9أي: ولنوع الإنسان كمال خاصّ وحصريّ لجوهر ذاته لا تناله سائر الموجودات؛ وهذا الكمال يرجع إلى حاقّ حقيقته وواقعيّته (أي يرجع إلى ذلك الجوهر الذاتيّ ونفسه الناطقة، لا إلى بدنه، ولا إلى عوارضه)، ولا يُمكن لأيّ موجود أن يعلوه فيه، ولا يُمكن لأيّة حقيقة سابقة أن تسبقه إلى ذلك الكمال الذي يعود لجوهر ذات الإنسان وحاقّ حقيقته.
ذلك الكمال الذي لا يُتَصوّر كمال أعلى منه، يتمثّل في الوصول إلى المعقولات؛ أي الوصول إلى عَالَم العقل ومجاورة الله تعالى والتجرّد التامّ والتجرّد عن المادّيات.
انظروا، إنّه يُمهّد هنا ليُبيّن الغايةَ من تأليف كتاب الأسفار هذا والفلسفة الحِكَميّة. الغاية هي أن يخرج الإنسانُ من هذه العلائق الدنيويّة؛ وبواسطة الخروج من هذه العلائق الدنيويّة والرئاسات الحسّية والمسائل الخياليّة، وتخليص نفسه من الأهواء النفسانيّة وممّا يتعلّق بالبدن والاهتمام به، وتنمية المظهر الخارجيّ، يصل إلى صورته الباطنيّة وروحه المجرّدة ونفسه التجرّدية؛ أي الوصول إلى عَالَم العقل والوصول إلى ذلك الكمال الذي لا يوجد ما هو أعلى منه؛ أمّا بقيّة الكمالات، فكلّها قابلة للزوال. فمثلاً تنال الرئاسة [اليوم]، وتسقط غدًا؛ وتحصل على العلم الظاهريّ، وتُسلب منك جميع العلوم غدًا، فلا تعود مختلفًا عن طفل في الثانية من عمره؛ وإذا وصل وزنك إلى مائتي كيلوغرام وانتفخت، فبجرثومة واحدة، ينخفض وزنك إلى خمسة عشر كيلوغرامًا، وتُفارق الدنيا؛ وإذا أكلت أشهى الأطعمة، ففي النهاية يجب أن تذهب إلى بيت الخلاء!
«مَن كانت همّته ما يدخل بطنه، كانت قيمته ما يَخرُج منه».۱
أيّة نعمة دنيويّة ترغب في الوصول إليها لا حقيقة لها، بل مصيرها الزوال والفناء ولا بقاء لها؛ باستثناء الوصول إلى عَالَم العقل حيث هناك عَالَم التجرّد المحض والبهاء المحض والعلم المحض، ولا معنى لأن يكون هناك ما هو أعلى منه.
كيفيّة وصول الإنسان إلى كماله الحقيقيّ
وإن كانت له مشاركة بحسب كلّ قوّة توجد فيه لما يساويه من تلك الجهة أو يليه، فلسائر الأجسام في حصوله في الحيّز والفضاء وللنبات في الاغتذاء والنماء وللعجم من الحيوان في حياته بأنفاسه وحركته بإرادته وإحساسه؛ وتلك الخاصّية إنّما تحصل بالعلوم والمعارف مع انقطاع عن التعلّق بالزخارف.
- غرر الحكم، ص ٦٤۱.
