
كمال الإنسان الحقيقيّ
المطلوب الحقيقيّ في عالم الوجود وحقيقة السعادة الإنسانيّة
هل تنحصر السعادة الحقيقيّة للإنسان في نيل اللذّات الحسّية والمقامات الدنيويّة؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين الرئاسة الحقيقيّة والرئاسة الخياليّة الزائلة؟ وكيف يُمكن للإنسان أن يصل إلى أعلى مراتب كماله من خلال التجرّد عن المادّيات والاتّصال بعالم المعقولات؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مبيّنةً مقدّمة صدر المتألّهين في كتاب “الأسفار”، وموضّحةً بالبراهين والأمثلة العرفانيّة أنّ ذات الباري هي المطلوب والمسؤول الحقيقيّ الوحيد في عالم الوجود، وأنّ القوى الجسمانيّة ما هي إلاّ وسائل للبقاء لا تمنح الإنسان كماله الحقيقيّ.
كمال الإنسان الحقيقيّ
3... *** اگر نازی کند از هم فرو ریزند قالبها!۱ [يقول: لو أبدى دلالاً، لتهاوت الهياكل بأسرها وتلاشت].
فإذا زالت جهة العناية هذه وتلك الجهة الربطيّة، فلن يبقى أيّ مطلوب ومسؤول! إنّ الآية القرآنيّة: ﴿لِمَنِ ٱلمُلكُ ٱليَومَ لِلَّهِ ٱلوَٰحِدِ ٱلقَهَّار﴾٢ تتحقّق في ذلك الوقت الذي يرجع فيه ظهور المطلوبيّة إلى ذلك المجلى والمنشأ الحقيقيّ نفسه، وتُبرز جميع هذه المظاهر فراغها وفناءها وكونها صفرًا، وتقع جميع هذه المظاهر في مرتبة الاضمحلال والانمحاء في اسم الله القهّار واسمه الجلاليّ. وهناك، يُدرك الجميع أنّ المطلوب الحقيقيّ والمسؤول الحقيقيّ واحد.
هذا الذي كنتم تظنّون حتّى الآن أنّه مطلوب أو مسؤول، تنقلب أمور حياته فجأةً رأسًا على عقب، لدرجة أنّه من أجل الحصول على غرفة أو مكان يجب عليه أن يطوف حول الأرض، ولا يسمح له أحد بالدخول!٣
پادشاهان مَظهر شاهیّ حق *** فاضلان مرآت آگاهیّ حق٤ [يقول: السلاطين مظاهر لسلطان الحقّ، والعلماء مرايا لعلم الحقّ].
أي إنّهم مجرّد مظاهر فقط، ولا يمتلكون جهة استقلاليّة وثبوتيّة، بل يمتلكون جهة إثباتيّة فقط؛ وهم مجرّد تجلٍّ لسُلطان الحقّ. والعلماء أيضًا هم مجرّد تجلٍّ لعلم الحقّ، ولكن لا استقلال لهم. على سبيل المثال، ذلك العَالِم الذي يبحث لمدّة أربعة أشهر فيما إذا كانت كلمة «مقدِّمة» أصحّ أم «مقدَّمة»، يصل به الأمر إلى أن يُمسك الفحم بيده، ويضع علامات في مسار الأزقّة وصولاً إلى منزله، لكيلا يُضيّع طريق العودة!٥ وهذا بسبب أنّ جميع هؤلاء هم مجرّد ظهورات؛ أمّا الواقعيّة، فمنحصرة في ذات واحدة فقط.
تمايز الرئاسة الحقيقيّة عن الرئاسات المجازيّة الدنيويّة
والصلاة على صفوة عباده وهداة الخلق إلى مبدئه ومعاده، سيّما سيّد المصطفين، محمّد المبعوث إلى كافّة الثقلين. اللهمّ فصلّ عليه وعلى الأرواح الطاهرة من أهل بيته وأولاده والأشباح الزاهرة من أوليائه وأحفاده.
وبعد، فيقول الفقير إلى رحمة ربّه الغنيّ، محمّد المشتهر بصدر الدين الشيرازيّ: إنّ السعادة ربّما يُظنّ بها أنّها الفوز بالدرجات الحسّية والوصول إلى الرئاسات الخياليّة.
أي أن يحصل الإنسان على مراتب مادّية دنيويّة أو رئاسة أو عمل ظاهريّ؛ ولا فرق في ذلك سواء أكان هذا الإنسان من عامّة الناس، أو طالبًا جامعيًّا يُريد أن يصبح مهندسًا، أو طالبًا حوزويًّا يُريد الوصول إلى المرجعيّة وما شابه ذلك. فمثلاً، ذلك الرجل قبل أن يصبح مرجعًا، تجده يمشي في الشارع براحة تامّة؛ ولكن، بمجرّد أن يصل إلى المرجعيّة، يجمع عباءته، ويطأطئ رأسه، ولا ينظر لا ذات اليمين ولا ذات الشمال؛ ولهذا، قد تأتي سيّارة وتصدمه وتطرحه أرضًا! كلّ هذه الأمور هي درجات حسّية.
- ديوان بيدل الشيرازيّ، هزاران نقش (آلاف الرسوم)، ديوان أشعار نظيري النيسابوريّ، ص ٣.
- سورة غافر، الآية ۱٦.
- راجع: أحمد علي مسعود أنصاري، بعد السقوط: سيرة العائلة البهلويّة في مرحلة المنفى (فارسيّ)، ص ۱٦۱-۱۷۱.
- المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب السادس، ص ١٠٦٢.
- راجع: سبيل الفلاح، الجلسة الثالثة.
