
كمال الإنسان الحقيقيّ
المطلوب الحقيقيّ في عالم الوجود وحقيقة السعادة الإنسانيّة
هل تنحصر السعادة الحقيقيّة للإنسان في نيل اللذّات الحسّية والمقامات الدنيويّة؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين الرئاسة الحقيقيّة والرئاسة الخياليّة الزائلة؟ وكيف يُمكن للإنسان أن يصل إلى أعلى مراتب كماله من خلال التجرّد عن المادّيات والاتّصال بعالم المعقولات؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مبيّنةً مقدّمة صدر المتألّهين في كتاب “الأسفار”، وموضّحةً بالبراهين والأمثلة العرفانيّة أنّ ذات الباري هي المطلوب والمسؤول الحقيقيّ الوحيد في عالم الوجود، وأنّ القوى الجسمانيّة ما هي إلاّ وسائل للبقاء لا تمنح الإنسان كماله الحقيقيّ.
كمال الإنسان الحقيقيّ
6جميع هذه اللّذات الحسّية الفوريّة هي على هذا النحو! السكينات الإلهيّة منقطعة عن حواليها بتاتًا، بل لا توجد فيها سكينة في الأساس!
السعادة الحقيقيّة هي في الاتّصال بفيض العَالَم الربوبيّ
وامتنعت المعارف الربوبيّة عن الحلول فيه، وتعذّر عليه إخلاص النيّة الإلهيّة الصادرة عن حاقّ الجوهر النطقيّ، من غير معاوقة همّة دنياويّة أو مصادمة طِلبة عاجليّة التي يُرجى بها نيل السعادة الحقيقيّة، وتعاطيها، والاتّصال بالفيض العلويّ الذي يُزال به الكُمه عن حدقة نفسه الموجود فيها؛ بسبب انحصارها في عالم الغربة، ووجودها في دار الجسد، واحتباسها عن ملاحظة جمال الأبد ومعاينة الجلال السرمد.
أي: يمتنع أن تحلّ المعارف الربوبيّة فيها، وتوجد في هذه اللذّات (بل توجد في أماكن أخرى). ويتعذّر على هذا الإنسان أن يكون مخلصًا في نيّته الإلهيّة، وأن يُخلّص عزمه ونيّته وباطنه، لتصدر تلك العزيمة والنيّة من حاقّ جوهره النطقيّ ـ أي ذلك الجوهر الذي يمتلك جهة ربطيّة مع الحقّ، لا ذلك الجوهر الذي يمتلك جهة ارتباط مع الخلق. فتلك النيّة والاهتمام والهمّة والعزم والإخلاص والصفاء في العمل والالتزام الباطنيّ لا تتوافق أبدًا مع هذه المسائل؛ لأنّها جميعها مشوبة بالشوائب النفسانيّة والأفكار النفسانيّة ـ من دون أن تتعارض همّةٌ دنيويّة أو طلبٌ عاجل وسريعُ الزوال مع الإخلاصِ في النيّة؛ تلك النيّة والاهتمام الذي يرجو الإنسان بواسطته أن ينال السعادة الحقيقيّة ويحصل عليها، ويتّصل بفيض العَالَم العلويّ؛ ذلك الفيض الذي يزول بواسطته العمى عن عين نفسه. هذا العمى موجود في نفس الإنسان بسبب أنّ هذه النفس منحصرة ومحصورة في عالم الغربة. وهذه النفس موجودة الآن في دار الجسد ومحبوسة عن ملاحظة الجمال الأبديّ ومعاينة الجلال الدائم والسرمديّ؛ لأنّها حبست نفسها في هذه الدنيا والرئاسات.
فنفس الإنسان الناطقة تقبع في عالم القرب (أي عالم القرب من الله)، والنفس التي تتعلّق بهذا البدن تقع في عالم الغربة والابتعاد عنه تعالى؛ ولأنّها وقعت هنا، فعينها عمياء؛ ولهذا، عندما نقول له: «يا عزيزي، اترك هذه اللذّات الدنيويّة وتعال!»، يقول: «يا سيّدي، ما هذا الكلام؟ دعني أسلك طريقَ حياتي، وأجني المال!». هذا الإنسان أعمى في الأساس:
