
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك
هل تختلف الفلسفة حقًّا عن العرفان؟ وكيف يُمكننا التمييز بين المكاشفات الرحمانيّة الصادقة وتلك المختلطة بالخواطرالنفسانيّة؟ ولماذا اختلف الفلاسفة والعرفاء إذا كانت الحقيقة واحدة؟ وما هو المآل النهائيّ لسير الأنبياء والكمّل في معرفة الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة العميقة، مبيّنةً حقيقة الحكمة بوصفها الغاية من خلقة الإنسان، وموضّحةً عدم التنافي بين الشهود العرفانيّ التامّ والبرهان العقليّ الصحيح.
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
9قال عمر لِلنبيّ صلّى الله عليه وآله: يا رسول الله، ألم تقل لنا إنّنا سندخل مكّة؟
فقال صلّى الله عليه وآله [ما معناه]: هل قلت إنّنا سنذهب هذا العام؟ لم أقل هذا العام! قلت إنّكم ستأتون في النهاية! وهذه الرؤيا التي رأيتها صحيحة أيضًا.۱
لاحظوا: لا يقول النبيّ: «سنفتح مكّة هذا العام؛ إذن، لنذهب نحو مكّة!». كلّ هذه من الامتحانات، حيث يجب أن تقع هذه الرؤيا سابقًا في ذلك الزمان، ويقول النبيّ أيضًا لِلناس [ما معناه]: «لقد رأيتُ في المنام إنّنا سنفتح مكّة إن شاء الله! إذن، لنتحرّك هذا العام ونذهب نحو مكّة».٢ فيذهبون نحو مكّة، ولكنّهم لا يفتحونها! هذا امتحان صعب جدًّا، وهو من المواقف الحاسمة في المسألة!
[أو على سبيل المثال: يقول أمير المؤمنين عليه السلام]: «لِنذهب لِحرب معاوية، ونقضي عليه!». يا عليّ، الآن وقد ذهبنا لِحرب معاوية، فهل سنقضي عليه أيضًا أم لا؟! يقول عليه السلام هنا: «يجب علينا أداء تكليفنا والذهاب!»، ولكنّه في حرب الجمل يقول: «كلاّ، سنقضي عليهم!»، وفي حرب النهروان يقول: «سنقضي عليهم!»، ويُبيّن العدد أيضًا: «يُقتل منّا تسعة فقط، وينجو منهم تسعة فقط!».٣ ولكنّه في حرب صفّين لا يقول إنّنا سنقضي على معاوية! هل رأيتم جملةً واحدةً من أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيها: «سنذهب، ونضرب، ونقضي على معاوية، ونقطع رأسه، ونرفعه على الرمح!».٤ كلاّ، لا توجد مثل هذه الكلمات بتاتًا! الفرق بين هاتين القضيّتين يكمن في هذا الأمر.
وبالنسبة لِمكّة أيضًا، لا يقول النبيّ: «سنفتح مكّة هذا العام!»، بل يقول فقط: «لنتحرّك نحو مكّة!»؛ لأنّه رأى المنام أيضًا: ﴿لَّقَد صَدَقَ ٱللَهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءيَا بِالحَقِّ﴾؛ ولهذا يتحرّكون، ولكن، عندما يصلون إلى هناك، يتصالحون.٥
عجبًا! الآن، بماذا نُجيب نساءنا وأطفالنا؟! لقد قلنا لِنسائنا إنّنا ذاهبون لِفتح مكّة! الآن، سيقلن: أيّها العاجزون، تركتمونا وحدنا كلّ هذا الوقت، وكنّا وحدنا في الليالي على أمل أن تذهبوا إلى مكّة وتأتونا بالغنائم، وتأتونا بالذهب والقلائد؛ أمّا الآن، فقد ذهبتم ورجعتم بخفّي حُنين، وبرؤوس محلوقة؟! وهل هذه حياة؟!
الآن، ما حقيقة هذه القضيّة؟ هل النبيّ نفسه كان يعلم نتيجة السفر، أم نقول ما هو أعلى من ذلك، وهو أنّ النبيّ نفسه لا يعلم أيضًا، ويرى الآن فقط أنّ هذا الخطاب قد جاء في أفق ذهنه: «تحرّك نحو مكّة!». أمّا هذا الخطاب: «ستفتح مكّة!»، فلم يأتِ؛ لأنّه لو كان هذا الخطاب قد جاء، لَقال النبيّ أيضًا: إنّ قضيّة فتح مكّة ستحصل في هذا السفر.
- راجع: تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۱٢.
- المصدر ذاته، ص ٣۰٩.
- راجع: نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٩٣.
- راجع: وقعة صفّين، ص ۱۱٣.
- راجع: تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۱٢.
